الكفاءات الاتحادية بين ضعف الحضور التمثيلي وقوة الحضور “الكاريزمي” – فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة
الثلاثاء , نونبر 19 2019
الرئيسية / آراء و مواقف / الكفاءات الاتحادية بين ضعف الحضور التمثيلي وقوة الحضور “الكاريزمي”

الكفاءات الاتحادية بين ضعف الحضور التمثيلي وقوة الحضور “الكاريزمي”

محمد إنفي

تجاهلت النقاش (والأصح، اللغط) الذي “فجَّره” التعديل الحكومي الأخير على مستوى صفحات “الفيسبوك” ومجموعات “الواتساب” وبعض المواقع الإليكترونية، بعد أن تبين لي، من النوادر الأولى، التوجه الذي يسير فيه هذا “النقاش”. فقد تعمدت أن لا أتابع ردود الفعل التي أعقبت الكشف عن حصة الاتحاد الاشتراكي في التشكيلة الحكومية الجديدة (حقيبة وزارية واحدة)، حتى لا أفكر في التفاعل معها، سواء تعلق الأمر بتلك المندِّدة بهُزال الحصة أو تلك المبرِّرَة لها، رغم أن صدى ردود الفعل هذه كان يصلني بهذا القدر أو ذاك.

Advertisements

وحتى لا أجد نفسي مضطرا للرد على بعض التدوينات (أو المقالات) التي، إما تصفي حساباتها مع هذا القيادي أو ذاك، أو ينفث أصحابها، من خلالها، الكثير من السموم ويتجشئون الكثير من الغل والحقد والضغينة ضد الاتحاد الاشتراكي (أو ضد قيادته)، ناهيك عن الأسلوب البذيء والمنحط الذي لا يعرف بعض الناس غيره، تجنبت قراءة ما يكتب سواء في الفيسبوك أو الواتتساب أو في غيرهما.

وقد اتخذت نفس الموقف حتى من التدوينات التي كتبها اتحاديون معروفون بغيرتهم على الحزب، بحيث لا يمكن الشك لا في صدق مشاعرهم ولا في نبل نواياهم؛ وإن كان سيظهر فيما بعد أن البعض منهم قد سقطوا، حسب رأيي المتواضع،  في رد الفعل العاطفي الذي لا يرى إلا الشجرة التي تخفي الغابة.

وأشير إلى أنني قد أُرغمت على الاطلاع على بعض هذه الكتابات من خلال ما كان يبعث به إلي  بعض الأصدقاء على الخاص؛ مما سمح لي بتكوين فكرة تقريبية عما يروج من كلام وما يصدر من أحكام وما يقال عن المشاورات الحكومية وعن ضعف القيادة وعن فراغ الحقيبة الوزارية، وما إلى ذلك من الكلام المستفز في كثير من الأحيان. أضف إلى ذلك أنني قد اطلعت، دون رغبة مني طبعا، على بعض المواقف الفردية والجماعية، من خلال ما صاغه أصحابها من ملاحظات وما صدر عنهم من اقتراحات وتوصيات، لي فيها رأي، لكني أحتفظ به لنفسي، في الوقت الحاضر على الأقل، حتى لا يساء فهمي.  

وبما أن رد الفعل انحصر، فيما أعتقد، في ضعف تمثيلية الحزب داخل الحكومة، الذي يرجعه البعض إلى ضعف القيادة الاتحادية، فإني أسمح لنفسي بأن أبدي رأيي المتواضع حول هذا الموضوع، ولو في غياب المعطيات لا عن المشاورات ولا عن المقاييس والمعايير التي تحكمت في المفاوضات.

وقبل ذلك، أود أن أؤكد بأنني، شخصيا، لن أسمح لنفسي أبدا بتصديق ما يشاع عن القيادة الاتحادية في موضوع المشاورات الحكومية ومقترحات الاستوزار (لكن، مع الأسف، بعض الإخوان لا يترددون في ترويج ما تكتبه صحافة الارتزاق والأقلام المأجورة والحاقدة؛ فماذا تركوا، إذن، للخصوم وللمواطن العادي؟). فكل ما يقال حول هذا الموضوع، أعتبره حاليا مجرد إشاعات مغرضة. وأنا مستعد، إذا ظهر العكس، أن أقدم نقدا ذاتيا وأن أفضح كل من يريد أن يستغل موقعه في الحزب لمصلحته الشخصية.

أعتقد أنه من المفيد، قبل الحديث عن تمثيلية الاتحاد داخل الحكومة، أن نستحضر معطيين أساسيين، في نظري، لكونهما كفيلين بتوضيح الرؤية وتيسير فهم الواقع الحالي حتى يكون الحكم موضوعيا أو، على الأقل، قريبا من الموضوعية وبعيدا عن رد الفعل العاطفي.

المعطى الأول يتعلق بمطلب تقليص عدد الحقائب الوزارية. فحسب علمي (المحدود طبعا: لا أزعم أنني متتبع لكل ما يصدر عن الأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو في المعارضة)، فإن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الأستاذ إدريس لشكر، هو الوحيد الذي طرح هذا الموضوع في الحوارات الصحافية التي أجريت معه، حيث عبر  عن ثقل الحكومة سياسيا وعدديا. ولا شك أنه قد دافع عن نفس الرأي في اجتماعات أحزاب الأغلبية. فلماذا كل هذا اللغط ، إذن، حول تقليص حقائبنا الثلاث إلى واحدة، والحال أن الحقائب تقلصت بأكثر من الثلث؟

أما المعطى الثاني، فيتعلق بالوضع التمثيلي للاتحاد الاشتراكي داخل البرلمان. إنه غني عن الذكر بأن الوضع التمثيلي لأي تنظيم سياسي، يحدده الناخبون. فقد أصبحت قوة كل تنظيم سياسي تقاس وتقدر بعدد الأصوات التي يحصل عليها وعدد المقاعد التي يفوز بها.

في الماضي (أي خلال سنوات الجمر والرصاص)، كان التزوير المفضوح سيد الموقف؛ وكان لمشاركتنا في الانتخابات هدفان أساسيان: جعل من الحملة الانتخابية فرصة للاتصال بالمواطنين وإيصال الخطاب الاتحادي إليهم، من جهة؛ ومن جهة أخرى، جعل العملية الانتخابية وسيلة لفضح التزوير الممنهج لإرادة الناخبين؛ وهذه الوسيلة هي مشاركتنا التي كانت ترغم  وزارة الداخلية في عهد بنهيمة والبصري على استعمال مقصها المعهود في حقنا.

 وقد كان جزء منا ينظر إلى هذا الأمر(المشاركة في الانتخابات) بنوع من السخرية؛ خاصة وأن الخطاب السياسي كان يفاضل بين الخط النضالي والخط الانتخابي. وكان يُنظر لهذا الأخير بنوع من الاحتقار. وقد كان موقف أحزاب اليسار الراديكالي يغذي هذا التوجه: فقد كانت تقاطع الانتخابات وتكتفي بتدبيج بيانات نارية تحتفي فيها بنسبة المقاطعة، زاعمة  أن المقاطعين استجابوا لندائها وسايروا موقفها.

بعد انتخابات 2002، شاع مصطلح المنهجية الديمقراطية عقب البيان القوي للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي برئاسة المجاهد عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول للحزب. وقد تم التعبير في هذا البيان عن الموقف من تعيين “تيقنوقراطي” (السيد إدريس جطو) وزيرا أول بدلا عن الوزير الأول المنتهية ولايته (اليوسفي) أو شخصية أخرى من نفس الحزب لكونه فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات.

وسوف يكون لهذا الخروج عن المنهجية الديمقراطية تداعيات سياسية خطيرة، لا تزال آثارها حاضرة في المشهد السياسي؛ ذلك أنه عصف بمنسوب الثقة في السياسة وفي المؤسسات. وقد تجلى ذلك بوضوح في الانتخابات الموالية (سنة 2007) التي عرفت أدنى نسبة في المشاركة (37%، شكلت فيها نسبة الأصوات الملغاة نسبة غير مسبوقة: 19%) بالرغم من الخطاب الملكي (وهي سابقة في تاريخ الانتخابات ببلادنا) الذي دعا المواطنين إلى المشاركة بكثافة في التصويت.  

ومن مخلفات ذلك، أيضا، تضعضع الوضع التنظيمي والتمثيلي للاتحاد الاشتراكي وتعثر التناوب الديمقراطي؛ بل يمكن القول بأنهما (الاتحاد الاشتراكي والتناوب الديمقراطي) من ضحايا الخروج عن المنهجية الديمقراطية.

ففي الانتخابات التشريعية لسنة 2007، انتقل الاتحاد الاشتراكي من الرتبة الأولى إلى الرتبة الخامسة؛ مما يعني، من بين ما يعنيه، أن أغلبية الذين كانوا يصوتون لصالح الاتحاد، قد قاطعوا الانتخابات احتجاجا على ما وقع سنة 2002؛ وقد كان ذلك إيذانا بخفوت الرغبة في المشاركة السياسية وإعلانا لفقدان الثقة في الانتخابات وفي المؤسسات التمثيلية. ولم يستطع الاتحاد، منذ ذلك التاريخ، أن يسترد قوته الانتخابية وحضوره التمثيلي، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد المحلي، نظرا للعلاقة الجدلية بينهما.

أما فيما يخص التناوب الديمقراطي، فإن عثرة 2002 – التي ساهم في توفير شروطها الذاتية والموضوعية خصوم الاتحاد الاشتراكي وبعض حلفائه- قد أدخلت البلاد في دوامة من المحاولات الفاشلة، سواء منها تلك التي اعتمدت “الدوباج” السياسي أو تلك التي سعت إلى خلق قطبية مصطنعة. ويمكن القول بأن بلادنا لم تدخل بعد، بسبب ذلك، عهد التناوب الديمقراطي السليم (انظر “الانتقال الديمقراطي في المغرب بين التناوب المغدور والتناوب المهدور”، نشر في جريدة  “الاتحاد الاشتراكي” يوم 22-04-2016؛ وعن دار النشر المغربية 2019، صدر كتاب بنفس العنوان يضم بين دفتيه أكثر من سبعين مقالا سياسيا).

إن وجود الاتحاد الاشتراكي، حاليا، في ذيل الترتيب بين الأحزاب التي تتوفر على فريق برلماني، ليس قدرا محتوما؛ وإنما هو من صنع ظروف خارجية (كالتي أشرت إليها أعلاه) وظروف تنظيمية داخلية (انشقاقات؛ خصومات سياسية)؛ بالإضافة إلى السلوكات والممارسات الهدامة لبعض أبنائه الجاحدين الذين سيطرت عليهم أنانياتهم البغيضة وأعمتهم انتهازيتهم المقيتة، فأساءوا إساءة بليغة إلى صورة الاتحاد لدى المواطنين.

ومع ذلك، فبالرغم من ضعفنا التمثيلي، فنحن من يرأس البرلمان. وهو المنصب الثالث في هرم الدولة من الناحية البرتوكولية. أما في المشاورات الحكومية، فهو يوازي حقيبتين وزاريتين.  

أنا، هنا، لا أحاول أن أبرر حصول الاتحاد على حقيبة وزارية واحدة في التعديل الحكومي الأخير؛ لكن، في نفس الوقت، أرى أنه لا يجب أن تطغى علينا العاطفة (لن نختلف في كون الاتحاد حزب الكفاءات؛ لكننا نحن ضعاف تمثيليا؛ وعلينا أن نشتغل لتحسين وضعنا التمثيلي، بدل الاكتفاء بمدح الذات والتباهي بما لنا من كفاءات. ثم، لسنا الحزب الوحيد الذي به كفاءات). ولذلك، فإن هدفي من هذا كله، هو إبراز عدم صواب الطرح الذي يدعو إلى الخروج من الحكومة (أو، على الأقل، يسفِّه وضعنا فيها). ودون وصف أصحاب هذا الطرح بعدم النضج وبالتهور في إطلاق العنان للكلام غير المسؤول، أسائلهم: هل يعقل، منطقيا، أن نمارس المعارضة ونحن نرأس البرلمان؟ وهل نحن في وضع يسمح لنا بأن نقلب الطاولة وننسحب من البرلمان والحكومة معا؟ ثم، هل من الضروري أن يكون لمخاطبنا (والأصح، مخاطبينا)، في الضفة الأخرى، نفس الرؤية التي لنا عن أنفسنا (تاريخ حافل؛ تضحيات جسام؛ قوة رمزية كبيرة؛ الخ)؛ خاصة حين يتعلق الأمر بالتمثيلية؛ أي بما تمنحه لك صناديق الاقتراع؟  

ما هو مؤكد، هو أن الكفاءات الاتحادية، حيثما وجدت، فهي”كَتْحَمَّرْ لوجَهْ”. إنها تجتهد في عملها إنجازا وإتقانا وتؤدي المهام المنوطة بها بتفان وإخلاص؛ لذلك، تتفوق وتتميز، إلا ما ندر. فرغم ضعف حضورنا، مثلا، في المؤسسات التمثيلية (الحكومة والبرلمان)، فإن الكفاءات الحزبية التي تمثل الاتحاد في هذه المؤسسات قد برهنت على قدراتها العالية، سواء في مجال التدبير والتسيير أو في مجال المراقبة والتشريع.

تشهد الفترة الأولى من حكومة سعد الدين العثماني على الحضور القوي لوزراء الاتحاد، كل من موقعه وكل في القطاع المسند إليه. وتشهد الولاية البرلمانية الحالية على التدبير المتميز للمؤسسة التشريعية من طرف الأخ الحبيب المالكي الذي يدير مجلس النواب بحكمة وحنكة واقتدار. كما تشهد على الحضور القوي لنائبات ونواب الاتحاد الاشتراكي، الذين أعطوا الدليل على أنهم أنشط فريق في البرلمان المغربي؛ فحسب الدراسة المتخصصة التي أنجزها مركز البحث “طفرة”، فإن “النواب الاتحاديين، وعكس ما قد يظنه الكثيرون، هم الأكثر نشاطا بين زملائهم بمجلس النواب، حيث بلغ متوسط عدد الأسئلة لكل نائب من فريق الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في الولاية السابقة، 257 سؤالاً، يليهم نواب حزب العدالة والتنمية بمتوسط 208 سؤالاً لكل نائب” (انظر “النواب ‘الاتحاديون’ الأكثر ‘إزعاجا’ للحكومة”، محمد أسليم،  “أخبارنا المغربية”، بتاريخ 16 أكتوبر 2019).

وإذا كان هذا هو شأن الكفاءات الاتحادية الموجودة في المؤسسات التمثيلية، فإن الاتحاد ممثل أيضا بكفاءات عالية في المؤسسات العامة والمؤسسات الاستشارية التي لا يعود التعيين فيها إلى الحكومة، وإنما هو من اختصاص الملك، باعتباره رئيس الدولة.

وهنا، لا بد أن نشير إلى أن الاتحاد الاشتراكي – الذي دافع عن تغيير نمط التعيين في المناصب العليا بنفس الروح التي دافع بها عن المنهجية الديمقراطية-  لم يكن يتصور أن مطالبته بتخويل الحكومة حق التعيين في مناصب المسؤولية، سيتحول إلى وسيلة لتثبيت الأتباع في هذه المناصب. فمطلب الاتحاد كان من أجل ضمان الفعالية والنجاعة؛ وذلك من خلال تجنيب القطاعات الحكومية المشاكل التي كانت تنجم عن طبيعة التعيين.

فقبل دستور 2011، كان التعيين يتم بظهير. وكان هذا يشكل مصدرا للمشاكل في بعض القطاعات حين لا تتوافق رؤية الوزير مع رؤية الموظف السامي (كاتب عام، مدير مركزي، الخ). ولم يكن بإمكان الوزير أن يزيح هذا الأخير من مكانه لكونه معينا بظهير؛ ناهيك عن عدم إمكانية إخضاعه لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لكن، وكما ضاق الأفق في فهم المنهجية الديمقراطية (التي يعود الفضل في دسترتها إلى الاتحاد الاشتراكي)، لم يسلم كذلك التعيين في المناصب العليا من النظرة الضيقة، بعد أن أصبح في يد الحكومة؛ وهو ما يسيء إلى الحكامة (المطلوب أن تكون جيدة) ويبخس حق الكفاءات الوطنية غير المتحزبة.   

أمام هذه النظرة الضيقة للحكومة، وخاصة بالنسبة للحزب الأغلبي، نجد أن الدولة، في شخص رئيسها، تسعى، على عكس ذلك، إلى ضمان نوع من التعددية الحزبية المتوازنة.  ونسجل، هنا، باعتزاز، الحضور القوي والمتميز للكفاءات الاتحادية، سواء منها تلك التي ما زالت مرتبطة بالحزب أو تلك التي أخذت مسافة منه. وهي كفاءات تشرف البلاد والحزب، وتؤكد المقولة التي نفتخر بترديدها: “الاتحاد مدرسة”.

وإذا كان الاتحاد الاشتراكي ممثلا في حكومة العثماني الثانية بوزير واحد فقط، فإن تواجد الكفاءات الاتحادية على رأس مؤسسات عامة (المندوبية السامية للمقاومة وأعضاء جيش التحرير، المندوبية السامية للتخطيط) ومؤسسات دستورية (المجلس الوطني لحقوق الإنسان؛ مجلس المنافسة؛ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛ المجلس الوطني للصحافة؛ لجنة الحق في الحصول المعلومات؛ بالإضافة إلى تمثيلية مشرفة في المجلس الأعلى للقضاء…)، هو بمثابة شهادة على أن الاتحاد الاشتراكي، رغم ضعفه التمثيلي، يبقى قويا بفضل “كاريزما” أطره.  

مكناس في 23 أكتوبر 2019

عن موقع : فاس نيوز ميديا