مقال رأي:”الحراك الشعبي وارتباطه بثقافة الموت.” – فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة
الخميس , نونبر 15 2018
الرئيسية / آراء و مواقف / مقال رأي:”الحراك الشعبي وارتباطه بثقافة الموت.”

مقال رأي:”الحراك الشعبي وارتباطه بثقافة الموت.”

ممكن القول أن هناك فراغا بينا في مجال الدراسات السوسيولوجيا بالمغرب، فيما يهم التحليل الوظيفي لأثر الحراك الشعبي ونمو تزايده عبر خارطة متحركة وطنيا. لما يتم الوقوف على أسناد منهج ” السوسيولوجيا (التفهمية/ التأويلية) ” لأنها هي العلم الذي ينبني على أسس دراسة وتحليل وظائف الظواهر الاجتماعية، وفهم التفاعل الاجتماعي و تأويله. وهو العلم الذي يعمل ضمن تفسير وتفكيك الميكانزمات الاجتماعية بمقاربة نسقية.

وحتى لا نفيض في تدويل آنية الموضوع بالآثار والنتائج الموضوعية، فإننا نعود إلى توابع ثقافة حوادث الموت كنتاج خارجي بالمغرب والذي يفجر سلوكيات احتجاج الشارع المغربي عند كل حالة (شهادة) موت عبر ما اصطلح على تسميته ” الحراك الشعبي”. إنها مظاهر حوادث الموت الكارثي/ الفجائي  الممتدة بالتوالي من واقعة سماك الحسيمة، إلى عمال آبار”سندريات” بجرادة،  إلى ” مول الكريسة ” بمنطقة أوطاط الحاج (التابعة ترابيا لإقليم بولمان) .

هنا وظيفة التحليل تقف عند الجدلية التي تربط العلاقة بين ما هو فردي (موت/ شهادة) وما هو جماعي (حراك شعبي)، و حتى نتخلص كليا من نتاج حكم القيمة المتدفق، ندفع بأولى ملاحظات الحضوة الإيجابية ونقول، بأن الموت يفسح المجال كليا لبناء تضامن اجتماعي متين، ويبدد بالإتلاف كل صراع اجتماعي داخلي. إنه تضامن بين الأفراد الأحياء يمرر عبر قنوات الترتيب الطبقي وبدون تشفير سياسي. تضامن يصنع من رحم الشعب مباشرة بعد تجاوز بكلية الملاحظة كفاف/غياب تأطير الأحزاب السياسية و الفرقاء الاجتماعيين للأوساط الشعبية.

لما ثقافة أحداث الموت بالمغرب أصبحت تحرك الشارع، و تعجل خروجه للدعوة إلى حياة الكرامة؟، لما صور التضامن بين أفراد الطبقات الشعبية تزيد حدة عند حدث مظهر موت/ حياة الكرامة؟، هل كل المدن المغربية تنتظر أحداث موت  لتخرج إلى الشارع و تطالب بالعدالة الاجتماعية ونصيبها من المال العام ؟، هل التضامن العضوي الشعبي يشكل خطرا على الدولة الوطنية؟، هل يمكن اعتبار الحراك الشعبي هو نوع من صدام القيم الطبقي؟،  ما العلاقة الترابطية التأويلية بين أحداث الموت بكل من مدينة الحسيمة وجرادة وأوطاط الحاج؟.

هو الموت واحد والأسباب متفرقة المكان والزمان، هو الموت الذي تنبعث منه بالمغرب ظاهرة اجتماعية ينتشر فيها التضامن الآلي و العضوي (حراك شعبي سلمي) بشكل عفوي ودون خلفيات سياسية مبيتة، هو الموت الذي أصبح يحرك الأحياء والمدن أكثر من التأطير الحزبي و النقابي.

فعند التفكير في اقتحام الكتابة في موضوع ثلاثية حدث الموت وحراك الشارع بالمغرب، لم أعمد إلى اتخاذ ظاهرة أحداث الموت مادة دراسية في حد ذاتها، بل فطنت إلى تشكيل كمشة من تراب قبور المدن الثلاثية وإخضاعها للملاحظة والتحليل، مع البحث عن أوجه التماثل والحيثيات الكفيلة باستخلاص النتائج الاجتماعية، وتصويب رؤية امتدادية لطينة الاحتفاء بثقافة الموت التي تنتشي بمطالب الحق في الحياة.

هي إذا مشكلات مجالية تتفاقم بعموم الوطن وتتزايد يوميا بفجوة الإتساع، هي إفلاس سياسة دولة في تنمية تفاعلية مستديمة بكل مدن وقرى و جهات المملكة، هي تراكم متناسل لمجموعة من الملفات الاجتماعية الكفيفة التي صنعت الاحتقان والسخط الشعبي، هي وعود انتخابية ميتة بالكذب وتتكرر بالاستنساخ الملل عند كل لعبة استحقائية، هي الحساسية  الشعبية من كل المراوغات السياسية الحزبية التي تركب على صيغ الألم الاجتماعي، هي المسكنات التي انتهت مدة صلاحيتها و التي لا تقدر على تهدئة كل حراك شعبي لا نعلم مكانه ولا توقيته، هو قول الختم حين يتأزم الوضع الاجتماعي ضمن مظاهر غياب التوزيع العادل للثروة فحدث ولا لغو.

لنقل بأن ثقافة الموت من أجل كرامة العيش  تنمو عبر خارطة غير مهيأة مسبقا بالضبط، تنمو و تنشأ في إطار وظيفة إشباع الأحياء حاجتهم إلى التحرر من عبودية القهر والظلم و الفساد.  تحرر من الحكرة  المجالية البخسة والبئيسة، تحرر نحو البحث عن مسالك العدالة الاجتماعية ودمقرطة حياة الإنسان والوطن. فانشطار محنة الموت العفوي (النماذج الثلاث) تبدأ من التهميش لتنتقل عبر الزمان إلى أجزاء أخرى مكانية من خارطة الوطن.

هو الموت /الحي الحاضر بيننا جماعيا والذي يجب أن يحظى بيافطة الاهتمام من أجل رد الاعتبار ولفت الانتباه إلى الوضعيات المتردية الاجتماعية، والتمكين من أسباب الارتقاء الاجتماعي السليم بلا ريع ولا تمييز. هو الموت /الحي الذي يحضر لزوما السلطة التنفيذية لمدن الحراك الشعبي للتفكير بصوت مرتفع في مستقبل أفضل وحياة كريمة. هو الموت /الحي الذي يطالب بحقه في الثروة ضمن قانون مجتمع عادل ومتضامن. هو الموت/ الحي الذي يحرك رجة كل نقاط بؤر توثر حراك شعبي لأجل عدالة اجتماعية.

فيما وصفة العلاج بالتوجيه لكل ظواهر أحداث الموت بعد التشخيص بات يحقن بالمسكنات السياسية التسويفية القائمة على حرف (ســــ )، ثم على البهرجة الإعلامية التي تغلف مظاهر الموت بالتبخيس وتعرج المطالب. لكن لن نجيب اليوم عن سؤال نكرر ذكره عنوة ونقول، هل كل المدن المغربية تنتظر أحداث موت  لتخرج إلى الشارع و تطالب بالعدالة الاجتماعية ونصيبها من المال العام؟.

ذ محسن الأكرمين (مقال رأي

عن موقع : فاس نيوز ميديا