الانترنيت و الصداقة والزواج عند المغاربة عبر شبكات التواصل الاجتماعي الدكتور عبد الجبار شكري – فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة
الخميس , يونيو 20 2019
الرئيسية / ثقافة و منوعات / الانترنيت و الصداقة والزواج عند المغاربة عبر شبكات التواصل الاجتماعي الدكتور عبد الجبار شكري

الانترنيت و الصداقة والزواج عند المغاربة عبر شبكات التواصل الاجتماعي الدكتور عبد الجبار شكري

الانترنيت و الصداقة والزواج عند المغاربة
عبر شبكات التواصل الاجتماعي
الدكتور عبد الجبار شكري
أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس
باحث مشارك في مختبر الأبحاث والدراسات
بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة الدردشة أو ما يعرف ب ” التشات ” هي ممارسة جديدة على مجتمع مثل المجتمع المغربي ، لأن الانترنيت هو حديث العهد بالنسبة لمجتمعنا ، فالشخص الذي يلجأ إلى هذا النوع من المحادثة مع شخصافتراضي تفصل بينهما المسافات ، هو في حقيقة الأمر محاولة استكشاف الآخر في كينونته وحمميته ، خصوصا إذا كان يختلف عنه في التقاليد والأعراف والجنسية الوطنية . والدردشة أو ” التشات ” لها جانبين ، أحدهما إيجابي والآخر سلبي ، فالجانب الإيجابي يتمثل في خلق ثقافة الحوار مع الآخر والدخول في مناقشة جادة يحضر فيها الإقناع والحجاج والاستدلال ، فبفضل الانترنيت تم انهار مفهوم ” الغيرية الأجنبية ” . فإلى حدود بداية القرن العشرين ، كان الغير الغريب حاضرا بقوة في وعي الناس ، فالغير الغريب هو ذلك الشخص المخالف لنا في الجنسية والبعيد عنا في المكان وفي الكينونة الفكرية والوجدانية والسلوكية ، ونعتقد أنه يحمل دائما صفات الشريرة ، إلى درجة أننا لا نثق فيه ولا نؤمنه على أنفسنا فنتخذ منه الحيطة والحذر ، لأنه قد يغدرنا ويخوننا في أي وقت ويؤذينا بشره ، و من تم كان الناس بدون وعي منهم ، يصنفون الغير الأجنبي في خانة الإنسان الغريب الشرير . لكن فيما بعد تغير مفهوم الغير الغريب ، فالغير الغريب حسب الكثير من الدراسات الأنتربولوجية ، لم يعد ذلك الشخص الأجنبي الذي يسكن خارج فضائنا وينتمي إلى غير جنسيتنا الوطنية ، بل الغير الغريب هو حسب تصورها هو ذلك الشخص ، الذي يسكننا على نحو غريب على حد تعبير “جوليا كريستفا” ، أي أنه يسكن في نفس فضائنا و ينتمي إلى نفس جنسيتنا الوطنية ، لكنه يمتلك وجودا غريباعنا في لغته أو ديانته أو تقاليده فيشكل مصدر توترنا وقلقنا ، لكن هذا الغير الغريب الأجنبي لم يعد موجودا كغرابة في كينونته بالنسبة لنا بفضل الانترنيت والفضائيات الرقمية ، فكلنا نعيش مع مشاكل الكون ونتفاعل معها في مكانها وزمانها ، وبهذا أصبحت “الدردشة” في الانترنيت تجعلنا نتواصل مع شخص في أقصى المعمور نراه ويرانا ننفعل معه وينفعل معنا ، وكأننا نجلس معا في مقهى نتحادث في لقاء حميمي . وهذا فيه إغناء لتجربتنا وفكرنا ونضجنا الوجداني . أما الجانب السلبي ، وهو وسيلة لتفريغ المكبوتات والعقد النفسية على الآخر إما من خلال عنف سادي ، بحيث يتلذذ الشخص بتعنيف الآخر بالإهانة والاحتقار والسب والشتم ، أو أن يكون عنفا “ماز وشيا ” وهو يتمثل في تعذيب الذات من خلال الهجوم على الآخر بالعنف بأعنف الخطابات من أجل إثارة انفعالاته لكي يرد عليه الآخر بعنف آخرن بالسب والقذف والتجريح فيتلذذ بذلك ، وفي كلتا الحالتين يكون هذا التواصل سلبي ومدمر وغير مفيد في نفس الوقت .

في الغالب أن “الدردشة” في المجتمع المغربي تكون قائمة دائما بين الجنسين الأنثى والذكر أو بين المثليين من نفس الجنس من أجل تأسيس علاقة عاطفية أوممارسة علاقة جنسية افتراضية أو من أجل الزواج.
وقد تتجاوز العلاقة الافتراضية بين الجنسين حدود الصداقة أو التعارف من أجل الزواج بل أ تتعدى هذه العلاقة حدود ذلك إلى الممارسة الجنسية ، حيث تمارس العلاقة الجنسية الافتراضية ، بالتعري أمام كاميرا الحاسوب وإظهار الأعضاء التناسلية، و الكشف عن المفاتن الجسدية ، ومن خلال ذلك تبدأ الإثارة الجنسية ، بالكلام الجنسي الشبقي و الحركات الجسدية الجنسية ، وعندما يصل الشريكان إلى قمة الإثارة الجنسية ، يبدأ كل منهما بممارسة الاستمناء ، أي إثارة أعضائه التناسلية بيده ، إلى أن ينتهي الاستمناء بالرعشة الجنسية .

هناك مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية تؤدي بالرجل والمرأة إلى البحث عن شريك جنسي افتراضي في الانترنيت وهذه الأسباب هي كالتالي :
فيما يتعلق بالأسباب النفسية نجد ما يلي :
أولا ، هو الفضول السيكولوجي ، والرغبة في مغامرة جنسية جسدية ونفسية مع أكثر من شريك واحد، فيتم اللجوء إلى الانترنيت لتأسيس علاقات جنسية في عالم الرجال أو النساء ، دون أن ينتج عن ذلك عواقب سلبية.
ثانيا ، خوف وفوبيا الشخص من العلاقة الجنسية الواقعية مع أكثر من شريك ، التي قد تؤدي إلى مرض السيدا أو تؤدي إلى مشاكل أسرية واجتماعية ، قد تكون لها انعكاسات سلبية مدمرة للشخص.
ثالثا عدم الإشباع الجنسي النفسي في علاقة عاطفية جنسية يعيشها الشخص ، ونظرا لتشبثه بهذه العلاقة لأسباب معينة ، يفضل الشخص ذكر أو أنثى – بدل اللجوء إلى علاقة جنسية واقعية- باللجوء إلى إقامة علاقة جنسية مع شخص في الانترنيت من أجل الإشباع النفسي الجنسي ، ولتعويض الحرمان الذي يعيشه .
رابعا وجود الخجل وعدم مواجهة الآخر في إقامة علاقة جنسية واقعة ، فتلجأ المرأة أو الرجل إلى الانترنيت كوسيلة للخروج من وضعية الخجل والخوف من الجنس الواقعي مع الآخر لأن العلاقة الجنسية مع شريك في الانترنيت ، تجعل الشخص سواء كان امرأة أو رجل قادرا على التعبير عن رغباته الجنسية و عن رغبات شبقية لا يمكنه التعبير عنها – بشكل حميمي و بكامل الحرية بدون خوف أو خجل – في العلاقة الجنسية الواقعية لأن الشريك الذي أمامه وإن كان يمارس معه الجنس فله وجود افتراضي وليس واقعي ، فالمرأة والرجل يشعران في تلك اللحظة بلذة أنطولوجية سيكولوجية واجتماعية ، تتمثل في تحقيق وإشباع رغباتهما الجنسية الشبقية ، من خلال القدرة على مواجهة الآخر في التعبير عنها .
أما فيما يتعلق بالأسباب الاجتماعية فنجدها على الشكل التالي:
أولا هو عدم نجاح الشخص في تكوين علاقات صداقة مع الآخرين ومن تم عدم نجاحه في إقامة علاقة عاطفية و جنسية مع الجنس الآخر ، فيفضل عدم تكرار هذه التجربة الاجتماعية الفاشلة في التواصل ، فيلجأ إلى الانترنيت لخلق فضاء اجتماعي جديد يأمل أن يكون ناجحا.
ثانيا نجد الشخص الذي يعيش في فضاء اجتماعي يحس فيه بالفراغ الملل والنفور، يلجأ إلى الانترنيت لتكوين فضاءات اجتماعية متعددة يملأ بها فراغه ويقضي بها على ملله وتعاسته واكتئابه .
ثالثا وجود حاجة اجتماعية ، إلى خلق علاقات صداقة ، يتجاوز بها سلبيات الأصدقاء الحاليين الموجودين في فضائه الاجتماعي ، ووسيلته الوحيدة في ذلك هو اللجوء إلى فضاء اجتماعي افتراضي في الانترنيت .نجد عموما أن المجتمع يصنف الدردشة بين الرجل والمرأة سواء بين المتزوجين أوالعزاب في إطارها السلبي باعتبار أنها لن تبقى في مستواها العادي والمقبول ، إذ في رأيهم أنه لو تم التسليم والسماح بها فإنها ستتجاوز الحدود لتسقط في المحظور الاجتماعي . دائما نتكلم عن المجتمع وكيف ينظر إلى الدردشة الإلكترونية وعلاقتها بالعزاب والمتزوجين إن كانوا يمارسونها ، إن أكثر ما يخاف منه المجـتمع ، هو

تتطور علاقة الصداقة الافتراضية هذه وتتحول من كلام عادي بفعل التواصل المستمر إلى علاقة جنسية افتراضية ، خصوصا إذا كان هذا التواصل يتم خلسة عندما يكون الرجل والمرأة في مكان ما متأكدين أنه لن يزعج أحد خلوتهما و عزلتهما و سكونهما ، فمن الاحتمال ، أن تؤدي هذه العلاقة الافتراضية إلى ممارسة الجنس الافتراضي الالكتروني ، فمادام رجل وامرأة يتحدثان في خلوة وفي حضور افتراضي قد يصل الأمر إلى هذا النوع من الممارسة ، لأنه داخل ” الدردشة ” تكون هناك حرية مطلقة في التعبير عن الذات بالكلام والإيحاءات الجسدية توقع أحدهما في الإثارة الجنسية – دون وجود أي عائق محرج في ذلك أو مراقب خارجي – خصوصا و أن أجهزة الحاسوب ، أصبحت مجهزة بكاميرات وأجهزة السمع ، تتيح إمكانية معايشة الإثارة الجنسية من خلال الصورة والصوت بين الشريكين .

قد يكون من السهل على الرجل أن تتحول عنده هذه العلاقة الجنسية الافتراضية ، إلى علاقة جنسية واقعية ، لكن نجد أن المرأة التي تمارس علاقة جنسية افتراضية ، قبل أن تقع في العلاقة الجنسية الواقعية ، فإنها تترد وتقاوم لكنها في الأخير تسقط في العلاقة الجنسية الواقعية ،لأن المجتمع بعقليته الذكورية يرفض هذا النوع من العلاقة الجنسية وإن كانت افتراضية ، فالمجتمع يساوره اعتقاد بأن هذه العلاقة الجنسية الافتراضية ، هي الخطوة الأولى عند المرأة المتزوجة في درب الخيانة الزوجية الواقعية وإن كانت في الأصل خيانة افتراضية ، أو هي خطوة أولى عند المرأة العازبة في عالم الدعارة الواقعية .

في ما سبق كان الزواج بين المرأة والرجل يتم بطرق واقعية ، إما الزاج بواسطة الأقارب ، أو الزواج بواسطة الأصدقاء أو الزواج بواسطة تعارف شخصي في الفضاءات الاجتماعية المتعددة ، لكن بظهور

الأنترنيت وخصوصا ظهور “غرف الدردشة” أصبح أغلب التعارف بين الجنسين يتم بهذه الوسيلة ، تبدأ في ” غرف الدردشة ” التعارف بين الجنسين من أجل الصداقة ، ثم تتطور إلى حب ثم تتطور فيما بعد إلى الرغبة في الزواج بين الطرفين
في الغالب أن هذا التعارف من أجل الزواج تكون له سلبيات كثيرة وهي كالتالي :
أولا أن التعارف في الأنترنيت لا تتيح فرص كثيرة لمعرفة الشخص حق المعرفة ، معرفة مزاياه وعيوبه .
ثانيا أن التعارف في الأنترنيت من أجل الزواج ، يؤدى بالطرفين إلى غض العين عن عيوب كل منهما وتجاوزها من أجل استمرار في العلاقة لتحقيق اللقاء ثم الزواج.
ثالثا أن الأنترنيت لا يتيح فرصة الاحتكاك والتفاعل بين الطرفين ، والشيء الذي يسمع بتوثيق العلاقة والتفاعل والتفاهم .
وغالبا ما تكون هذه العلاقة الافتراضية للزواج هشة وضعيفة وغير صلبة ، فبمجرد اللقاء على أرض الواقع ، والاصطدام بمشاكل واقعية ، تنهار العلاقة من الأساس. فالدخول في الخطوة الأولى في تكوين مؤسسة الأسرة ليس بالأمر الهين، فالزواج لا يعني الارتباط بين امرأة ورجل وإنما هو ارتباط بين قرابتين وثقافتين ونظامين من القيم والتقاليد والمعتقدات إلى غير ذلك، فاللقاء على شبكة الأنترنيت يغيب فضاء القرابتين معا.

عن موقع : فاس نيوز ميديا