فكر على طريقة دافنشي ! الجزء الأول – فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة
الثلاثاء , شتنبر 25 2018
الرئيسية / ثقافة و منوعات / فكر على طريقة دافنشي ! الجزء الأول

فكر على طريقة دافنشي ! الجزء الأول

(1) فكر على طريقة دافنشي !
حميد بن خيبش

من خلال رصده لدواعي الحضور المستمر لعطاء ليوناردو دافنشي المبهر والمتنوع حتى أيامنا هذه، سلط مايكل غلب الضوء على الأسرار السبعة لعبقرية لا تكمن فيما خلفه صاحبها من آثار، بل في حثنا على الإبداع و خلق الجمال .
يعرض المؤلف بداية لطبيعة المرحلة التي ظهر فيها ليوناردو دافنشي، والأثر الذي أحدثه فكر النهضة على جميع الأصعدة في أوربا. ويرجع الفضل في ذلك، بحسب مايكل، إلى الطاعون الأسود الذي اجتاح أوربا منتصف القرن الرابع عشر وأهلك ربع سكانها، ولم يميز في حصده للأرواح بين فلاح أو نبيل أو كاهن. آنذاك تبين للناس أن الولاء للكنيسة، وبذل الصلوات و الأدعية غير كاف لإبعاد شبح الوباء، ولابد من التفكير في مستلزمات دنيوية لضمان الحياة الكريمة للإنسان، باعتباره مخلوقا على صورة الله ومثاله !
دشنت الثورة النهضوية إذن مسيرة جديدة توالت خلالها المخترعات،و ازدهرت الزراعة والطب وسائر العلوم والفنون. وتنوعت الأنظمة السياسية والاقتصادية لتجعل هدفا لها سعادة الإنسان وراحته. فكان أبلغ درس تعلمته أوربا من طوفان الموت العارم هو انعتاق العقل البشري من القيود التي حالت دون تفجر طاقته.

لفت ليوناردو الأنظار إليه منذ طفولته. وما إن بلغ العقد الثاني من عمره حتى ذاعت شهرته كرسام وفيزيائي وموسيقي بارع، إضافة إلى ما تمتع به من ملكة جذب الانتباه بلباقة حديثه. فتدرج في مناصب عديدة لأمراء فلورنسا وميلانو قبل أن يستقر به المقام في قصر الملك الفرنسي فرانسوا الأول سنة 1516. لكن القدر لم يمهله ليكمل لوحاته وينفذ تصاميمه، حيث لفظ أنفاسه في أيار من عام 1519 عن عمر يناهز السبعين.

ورغم أن حياته كانت مزيجا من التناقضات والمفارقات، والترحال الدائم نتيجة الاضطرابات السياسية، إلا أنها خلدت اسمه كرمز للعبقرية. إنه، كما يقول ديميتري ميركوفسكي، أشبه برجل نهض من النوم بينما الآخرون غارقون في سباتهم. فقدصمم عدة مخترعات كالطوافة،و السلم المتحرك الذي يستعمله رجال الإطفاء حتى اليوم، و الدراجة، وبذلة الغطس، ومعاصر الزيتون، وكرسي المعاقين وغيرها. وفي مجال الهندسة العسكرية وضع تصاميم أسلحة عديدة جرى تنفيذها بعده بنحو أربعة قرون،منها الرشاشات ومدفع الهاون، و الصواريخ. وفي علم التشريح كان سباقا إلى الدراسة العلمية للجنين في رحم أمه. أما في الفيزياء وعلم النبات فإن أبحاثه مهدت لعدد من النظريات والتخصصات الحديثة، ليمكن القول دون مبالغة أنه أحد أهم واضعي الأسس الفكرية للعلم الحديث !

شكلت الرغبة في المعرفة طبيعة ليوناردو. وهي في الحقيقة طبيعة كل مولود يولد معه ألف سؤال وسؤال. فالفضول مبني على حافز طبيعي، غير أن التحدي هو في استغلاله لتنمية مداركنا وقدراتنا العقلية، ومتابعة التوق إلى المعرفة، واكتساب الخبرات، والتساؤل عن الحقيقة والجمال. كتب ليوناردو في إحدى ملاحظاته:” جئت من الريف أبحث عن أجوبة لأسئلة تقلقني. لماذا توجد المتحجرات على رؤوس الجبال، إضافة إلى بقايا مرجان وأعشاب لا تنبت عادة إلا عند شاطئ البحر؟ لماذا يستغرق الرعد مدة أطول من تلك التي يستغرقها مسببه الرعد؟ لماذا الضوء أسرع من الصوت؟ لماذا تتشكل دوائر مائية إذا ما رميت حجرا في الماء؟ ” إن الافتتان بالمعرفة هو ينبوع التساؤل عن كل شيء، وفي حياة ليوناردو فإن حبه للمعرفة قادة إلى عشق الحرية، فلم يكتف بدراسة التحليق عند الطيور بل كان يتهجم على بائعي الأقفاص في شوارع فلورنسا، ويدفع ثمنها ثم يفتح لها الأبواب لتعانق الفضاء مجددا !

حاول إذن أن تفعل شيئا، وارخ العنان لفضولك كي يتجدد السعي نحو اكتساب المعرفة و الوصول للحقيقة.
في المبدأ الثاني نتلمس فضيلة التتلمذ على يد أساتذة أكفاء، يؤمنون بأن الخبرة هي مصدر الحكمة، و الإثبات هو المفتاح لتحصيل الخبرات. لقد اكتسب ليوناردو معظم خبراته من أستاذه الرسام و النحات أندريا ديل فيروتشي، حيث تشكل نزوعه المعرفي بفضل أستاذ يعتمد الملاحظة المباشرة والتجربة أكثر من النظريات. وتتجلى عبقريته هنا في استقلاليته الفكرية، و انتقاده للمفاهيم المتبعة في التعليم، خاصة الغموض الذي يشوب بعض معارف عصره آنذاك، كالكيمياء الكاذبة والتنجيم. إن رفضه تقليد الآخرين، واعتماده الشك طريقا للحقيقة أسسا لاحقا لعظمته التي عبر عنها بقوله:” إن من أراد الاستفادة من كرم الطبيعة فعليه التعامل معها مباشرة، وليس من خلال أي شيء، أو عبر أي أحد ”
شكل مبدأ الإثبات ميزة أساسية لعصر النهضة،حين وُضعت الأحكام المسبقة والافتراضات الأساسية على محك التجربة. وإذا أردنا اقتباس طريقة ليوناردو فلا مناص إذن من تحدي الذات أولا، وإعادة النظر في آرائنا ومفاهيمنا، والإيمان بأن كلا من النجاح و الفشل هما مصدران للتعلم !

آمن ليوناردو بأن سر إثبات الشيء يكمن في الحواس باعتبارها مفاتيح أبواب الخبرة اليومية. فكان يمضي وقته في النظر، واكتشاف عناصر الطبيعة. وسمحت له حدة نظره بتجسيد الأحاسيس البشرية عبر لوحاته، و الاهتمام بتنمية الحواس الخمس لكونها مجلس وزراء الروح على حد قوله. ومن يراجع مخطوطته عن تحليق الطيور يقف على وصف لأدق تفاصيل حركة الجناحين والريش، مما اعتُبر آنذاك ضربا من الخيال قبل ظهور تقنية التصوير البطيء !

يشكل ترهيف الحس و النظر استمرارا في استعمال عقولنا واكتساب الخبرات، لذا يتحدث سيرج براملي، أحد كتاب سيرة دافنشي، عن برنامجه لتنمية الإدراك الحسي، وإخضاع العقل لتدريبات معينة تحقق وحدة الذهن و اليقظة، خاصة في عصرنا هذا، عصر زحمة السير و الضوضاء و المنبهات، حتى صرنا،كما قال ليوناردو، ننظر دون أن نرى !

عن موقع : فاس نيوز ميديا