أيها “الفسابكة”.. احذروا التوظيف المغرض للصورة!!!

يبدو أن ترويج الصور ذات “المضامين الزائفة” أصبح السلاح المفضل لدى بعض الجهات، فكلما انكشف زيف صورة ما، وإلا وظهرت أخرى، في سياقات يتم اختيارها بدقة. من يتحمل مسؤولية الترويج لهذه الصور التي تروم تغليط الرأي العام المغربي وخلق نوع من الوعي الزائف لديه؟ وكيف يمكن مواجهة هذا السلاح الخطير الذي بات يوظف كثيرا في الآونة الأخيرة في بلدنا؟

ثلاثة نماذج

نورد ثلاثة نماذج فاقعة، لهذا النوع من الصور المزيفة، التي غزت موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك مؤخرا، أولها صورة رجل يحمل جثة طفل، وقدمت بشكل مغلوط على أنها متعلقة بوفاة طفل بمنطقة الأطلس جراء التساقطات الثلجية وموجة البرد التي شهدتها المنطقة، قبل أن تخرج وزارة الداخلية ببلاغ لها أكدت فيه أن هذه الصورة “لا تمت بصلة للمغرب”، بل توثق لمعاناة مواطنين بسوريا.

صورة أخرى تتعلق هذه المرة برئيس الحكومة سعد الدين العثماني، التقطت له هو وعزيز أخنوش وزينب العدوي،بمناسبة معرض اليوتيس بأكادير، وكان حينها العثماني رئيسا للفريق النيابي للحزب بمجلس النواب، وتم الترويج لها على أساس أنها حديثة، وصاحبتها تعليقات كثيرة، وفيض من الغمز واللمز في رئيس الحكومة، بل إنها شكلت نوعا من “البوز” بلغة الفايسبوك طيلة يومين من الانتشار الواسع لها.

أما الصورة الثالثة، تتعلق بطفل عراقي من محافظة كركوك، يحمل كدمات في مختلف أنحاء جسمه بفعل ما تعرض له من تعذيب وحشي على يد والده وزوجته، وتم الترويج لها على أساس أنها لطفل مغربي تعرض للتعذيب من طرف السلطات الأمنية بمدينة إمزورن بالريف، وصاحب هذه الصورة تعليقات تدين وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، وتصفها بالمتردية، قبل أن تؤكد المديرية العامة للأمن الوطني في بيان لها أن الصورة لا علاقة لها نهائيا بالمغرب.

دون أن ننسى بطبيعة الحال لأكبر عملية تدليس مارسها صاحب جريدة الاخبار، بتلفيق فيديو لمسن هندي يمارس استغلالا جنسيا ضد قاصر هندي، ونسبته لعضو في العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح.

لماذا الصورة؟

واضح من خلال نماذج الصور التي أوردتها على الأقل، أن الجهات التي روجتها، تريد المساس بصورة البلد لأهداف غير معلنة وفي خدمة أجندة أقل ما يقال فيها أنها مشبوهة، أو تريد الانتقاص من رئيس الحكومة وإضعاف حزبه العدالة والتنمية، بصرف النظر عن ماهية هذه الجهات. السؤال المطروح لماذا تسعى هذه الجهات إلى توظيف الصورة لتحقيق أهدافها هذه دون غيرها من الآليات؟

جوابا على هذا السؤال قال الناقد السينمائي مصطفى الطالب في تصريح ل، إن الصورة تحمل دلالات ومعاني كبرى من الناحية السيميولوجية، كما أن الكل يفهم الخطاب الذي تحمله، مستدركا صحيح أن للصورة أدواتها ولغتها التي يجب التمكن منها لأجل تفكيك شفراتها، ولكن اليوم الكل يفهم الصورة لأنها لغة عالمية يفهمها الجميع.

وأكد الطالب أن توظيف الصورة على العموم، “لا يكون بريئا”، مبرزا أن الذين يقومون بهذا الفعل يسعون إلى ترسيخ معاني معينة أو تمرير خطاب ما، سواء في كلا الجانبين الإيجابي والسلبي، مضيفا أن الصورة دائما توظف على المستوى السياسي في مختلف البلدان سواء منها المتقدمة أو غير المتقدمة.

من جهته، قال الكاتب الصحفي حسن بويخف إن خطورة الصورة الرقمية تكمن في إمكانية توظيفها في سياقات أخرى خارج سياقها الأصلي، عكس الصورة الورقية التي لديها وحدة الموضوع وتتمتع بالمصداقية، حيث تبقى دائما وفية بالتعبير عن سياقها وحدثها الأصلي.

وأبرز بويخف في تصريح ل، أنه توجد عدة أحداث سابقة وظفت فيها صور لا علاقة لها بالمغرب، مثلا حدث “اكديم ازيك” الذي عرف ترويج صور عنه، لا علاقة لها بالمغرب مطلقا، حتى أن قنوات أجنبية تورطت في نقل هذه الصور ونسبتها إليه في حين أنها لا تمت له بأي صلة.

الجميع مسؤول

إذا كان الأمر بهذه الخطورة، من يتحمل المسؤولية إذن في توسيع نطاق نشر مثل هذه الصور؟ بويخف يرى أن الجميع مسؤول ابتداء من الصحافة، قائلا “الصحافي لا يكفي أن تصله صورة حدث ما، وينشرها دون التثبت والتأكد من أنها فعلا لهذا الحدث، بل عليه البحث عن أصل الصورة وسياقها الأصلي، ومحرك البحث غوغل يتيح له هذه المسألة”، مسؤولية الصحافي في هذا المستوى مهنية، لأن قواعد المهنة تفرض عليه أن يتأكد من الصورة كما يتأكد من الخبر نفسه، ومدى تعبيرها حقيقة عن الحدث الذي يعتقده، حتى لا يقع في نوع من التزييف والتحريف والتلاعب يضيف رئيس تحرير السابق لأسبوعية التجديد التي توقفت عن الصدور.

وفيما يتعلق بعموم مستعملي موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” يردف بويخف، لهم مسؤولية أخلاقية، حين تصلهم صورة ما يجب أن يتأكدوا كذلك من سياقها الأصلي قبل إعادة نشرها، بدل نشرها والترويج لها بتعليقات من عندهم، مما يزيد من حجم الموجة التي للأسف لا تمت بصلة للواقع. كما أن السلطات مسؤولة عن التصدي بحزم لهذه الصور عن طريق محاسبة المؤسسات التي تروج الأخبار الزائفة، والصور ذات المضامين الزائفة التي لا علاقة لها بالواقع، وتوظف في سياقات سياسية “خطيرة أحيانا”، لابد من الجميع أن يساهم بالنقد والتوجيه لترشيد التعامل مع الصور.

وفي الوقت الذي نبه فيه الطالب إلى أن الذين يوظفون الصورة، يختارون الأوقات المناسبة لذلك بعناية، قال بويخف إنه لا يمكن أن نقوم بتكهنات جزافية حول ماهية هذه الجهات، مستدركا ولكن احتمال أن تكون هناك ممارسات غير مسؤولة ومغرضة هذا وارد، لأن الشخص الذي يمكن أن يأخذ صورة لأسرة أو لطفل في العراق أوسوريا مثلا ويروج لها على أنها من المغرب هو غير مسؤول، إذا كان في وضع الممارسات الإنسانية العادية، أما إن كان وراءه استهداف لاستقرار البلد ومناخه الفكري والثقافي “فهذا أمر خطير جدا”، لابد أن يواجه بحزم شديد، تتحمل فيه السلطات المعنية مسؤولية كبيرة.

 

عن جريدة: فاس نيوز ميديا