حقيقة بنت عوينات الحجاج بمدينة فاس

نعم أشتغل" بلافاج" فالحرة تجوع ولا تأكل بثدييها

 

 على خلاف من اخترن الطريقة الأسهل لكسب لقمة العيش،وعلى عكس كل من جعلت من نفسها بضاعة رخيصة يعاد استعمالها مرات عدة في الليلة الواحدة.حنان عاكست التيار واختارت طريقا وعرا تحفوه الأشواك من كل حدب وصوب،متحدية بذلك أقوال الناس وهرطقا تهم،لتقوم بما تمليه عليه نفسها وضميرها فقط.

حنان،شابة في مقتبل العمر لا يتجاوز سنها خمسة وعشرين سنة،تقطن بمدينة فاس العتيقة وبالتحديد في حي "عوينات الحجاج"،تخيم على محياها ابتسامة شاحبة تخفي وراءها شجن عميق،تنهدت بعمق اشد وأردفت:"توفي والدي وأنا لازلت لم أميز بعد بين أبيض الدنيا وأسودها،والدتي امرأة عجوز تصرف مبلغا مهما من المال كل شهر عند الصيدلي،أما إخوتي الثمانية فكل واحد منهم منهمك في عمله ويحاول ما أمكن أن يغطي مصاريف حياته الزوجية التي يثقل كاهلها طلبات الأطفال اللامتناهية .إذن من المعيل؟".

أضافت والدموع تكاد تنهمر من مقلتيها:"أنا لم أدرس قط،وحاولت أن أجد عملا يسمن ويغني من الجوع ولكن بدون أية فائدة تذكر.فحتى أصحاب الشهادات العليا لم يحصلوا على عمل،إذن كيف يمكن لواحدة مثلي أن تجد عملا شريفا بأجر محترم؟ّّ فبيد محاولاتي الجاهدة التي كانت تكلل تارة بالفشل وتارة أخرى بالوعود الكاذبة التي تتخذ من جملة "سير حتى تجي"بابا رئيسا لها،كنت أرتقب من الله الخير وأنتظر الفرج من عنده سبحانه."

لحظة صمت ولقطة تأمل في السماء وتكمل قولها:"محاولات عديدة وأعمال لم تكن أجورها متساوية معها البتة، دفعت بي الى البحث عن مسلك يخرجني من هذه الدوامة القاتم لونها،طرقت باب "لافاج" فوجدت أبواب السيارات فتحت في وجهي وفتح معها مورد رزقي،أما عن رب العمل فلقد استغرب من طلبي وقال:"لدي سبع رجال يقومون بعملية الغسل والتشحيم،ولكن بإمكانك كسر واو الجماعة وتعويضها بنون النسوة إن طاب لك ذلك".

ثم أردفت والارتباك يعلو سحنتها:"في وقت كان لا بد فيه أن أبحث عن مورد عيشي،لم يكن أمامي اختيار آخر فعمل الرجال هو الوحيد القادر على حمايتي من كيدهم،نعم قبلت أن أشتغل عمل رجل حتى ولو كنت امرأة،فما دام اختياري قد وقع على مهنة شريفة وبأجر محترم فأنا مرتاحة البال والضمير بيد نظرات الناس التي توحي مرة بالاستغراب ومرة أخرى بالعطف،فأنا فخورة بعملي لأنني أضمن قوت يومي وأغطي مصاريف علاج أمي بعرق جبيني لا بمفاتن جسدي".

أضاف رب العمل ياسين،"حنان بنت ذات أخلاق حميدة وسمعة طيبة،تتقاضى ما يقارب 2000 درهم شهريا في مقابل عشر ساعات من العمل في اليوم،وهذه أجرة لا يحلم بها حتى الموظف.بالنسبة لي،قد رحبت بها ومنحتها فرصة العمل لأنها بكل بساطة لم تجد البديل".

أما حنان فقد استجمعت قواها وجعلت من حبالها الصوتية ناطقا رسميا باسم النصح والإرشاد وقالت:"نصيحتي لكل فتاة قست عليها الظروف هي أن العمل لا يدخل في خانة العيب والعار مادام لم يتجاوز حدود الدين والمجتمع،بل العار كل العار هو أن تجعل من نفسها دمية تتبع طريق اليسار دون التفات حتى تجد نفسها في منحدر خطير لا ينجو منه إلا من رحم ربي". فكيفما كانت طبيعة الظروف،وكيفما كانت شدة الأزمات،وحتى لو اجتمعت مصائب الدهر بأسره على كاهل الفتاة يجب عليها أن تضع على جبينها علما شعاره الأسمى هو أن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.

ولعل نصيحة فاس نيوز لكل من غدرها الزمان ولم يمنحها فرصة للتعلم،هي أن باب العلم مفتوح في كل وقت وحين،فاختيار بنت عوينات الحجاج صائب ولكن حبذ لو أنارت عتمة حياتها بنور العلم والمعرفة،خاصة أن الثورة التكنولوجيا الحالية جعلت المعلومة متاحة للجميع وإمكانية التعلم أسهل بكثير عن ذي قبل،الشيء الذي سيؤدي بالضرورة إلى مناصب عمل أحسن.فالعلم ضرورة لا غنى عنه وصدق القائل" العلم نور والجهل عار".