تاريخ كرة القدم الآسيوية : صعود النمور

عرفت كرة القدم الآسيوية تحولات جذرية خلال العقود الماضية، مرت من مرحلة التأسيس والتهميش إلى زمن التألق الإقليمي والتنافس العالمي. فـ”نمور آسيا”، كما يُطلق على منتخبات مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والسعودية، باتوا ينافسون بقوة على الساحة الدولية، ويُحسب لهم ألف حساب في البطولات القارية والعالمية.

رغم أن كرة القدم دخلت آسيا منذ بداية القرن العشرين مع الاحتلالات الأجنبية والحركة التجارية، إلا أن ظهورها كممارسة منظمة بدأ فعليًا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وقد تأسس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم (AFC) سنة 1954، ليشكل نقطة انطلاق نحو بناء هوية كروية قارية.

وشكلت بطولة كأس آسيا، التي انطلقت عام 1956 في هونغ كونغ، منصة أساسية لصقل التنافس بين دول القارة. وكان التفوق في البداية من نصيب دول مثل إيران والكويت، قبل أن تبرز قوى جديدة في شرق آسيا والشرق الأوسط.

شهدت تسعينيات القرن الماضي بداية الطفرة الحقيقية في كرة القدم الآسيوية، خصوصًا بعد تطور البنية التحتية الرياضية في عدد من الدول، واحتراف عدد كبير من اللاعبين في أوروبا. وبرزت كوريا الجنوبية واليابان بشكل خاص، مستفيدتين من خطط حكومية طويلة الأمد، وبرامج تطوير القواعد الكروية.

وقد توج هذا التقدم باستضافة كأس العالم 2002 مناصفة بين كوريا الجنوبية واليابان، حيث قدمت المنتخبات الآسيوية أداءً مشرفًا، خصوصًا كوريا الجنوبية التي وصلت إلى نصف النهائي، في إنجاز غير مسبوق.

مع بداية الألفية الثالثة، ارتفعت أسهم منتخبات آسيوية عدة. فقد تمكنت اليابان من الفوز بكأس آسيا أربع مرات، وتسجيل حضور منتظم في كأس العالم. كما حققت السعودية إنجازات لافتة، أبرزها تأهلها لست نسخ من كأس العالم، وتقديم أداء قوي في مونديال قطر 2022 بفوزها التاريخي على الأرجنتين.

أما قطر، فقد دشنت تجربة رائدة بتأسيس أكاديمية أسباير وتجنيد موارد بشرية وتخطيط استراتيجي أدى إلى تتويجها بكأس آسيا 2019، واستضافة كأس العالم 2022 في سابقة عربية وآسيوية.

رغم التقدم، لا تزال الكرة الآسيوية تواجه تحديات بنيوية، أبرزها ضعف بعض البطولات المحلية، تفاوت مستويات التكوين، ومحدودية التجربة الدولية لدى بعض المنتخبات. غير أن دخول دول مثل أوزبكستان، إيران، أستراليا –التي التحقت بالاتحاد الآسيوي سنة 2006– ساهم في رفع مستوى التنافس.

وقد أكدت الفيفا والاتحاد الآسيوي في تقاريرهما الأخيرة أن الاستثمار في الفئات السنية والتكوين القاعدي سيبقى المفتاح لتقليص الفجوة مع كبار اللعبة.

لم تعد كرة القدم الآسيوية حبيسة القارة، بل صارت تُصنّف ضمن القوى الصاعدة على الصعيد العالمي. “نمور آسيا” لم تعد مجرد مجاز بل واقع يتجسد على العشب الأخضر، بفضل استراتيجيات واضحة، طموحات كبيرة، ورغبة في كتابة التاريخ الكروي من زاوية شرقية.

المصدر : فاس نيوز ميديا