الدروس الخصوصية تحد أم خلل في النظام التعليمي!

 
بقلم الأستاذ حميد طولست
التعليم عصب الحياة وهو أساس التنمية والعمود الفقري لرقي ونهوض أي بلد، وهو ضرورة وليس ترفا من رفاهيات الحياة. والتقدم يعتمد على عدد المتعلمين، وفيهم تكمن قوة أي شعب بغض النظر عما تختزنه أراضيه وصناديقه من ذهب وفضة.
وتعليمنا يعاني من عدة ظواهر تؤثر على مسيرته ورسالته ، ومع ذلك لا تلقى اهتماما لائقا بخطورتها ، حيت يهرب الجميع ، مفكرين وكتاباً وسياسيين ، وحتى الموظفين والباحثين المنشغلين بالتنظير والتحليل للقضايا التي تلقي بظلالها على التعليم ، وتعكر صفو وحياتنا المتعلمين . ومن تلك القضايا ، الدروس الخصوصية ، أو “السوايع” الظاهرة التي يستنكرها المجتمع برمته ، لكنه يلجأ إليها مضطرا بكل شرائحه ، لأنها تؤرق جل الأسر وترفع ضغط دم الآباء وتصلب شرايينهم وتصيبهم بالنوبات القلبية ، إلى جانب إنهاك جيوبهم الخاوية أساسا ..
لم تكن الدروس الخصوصية لتشغل بالي وأنا رجل التربية المتقاعد ، لولا اتصال “ع. ح” أحد الزملاء الصحفيين من فاس ، حاملا شكاوى الكثير من الآباء المتضررين من ابتزاز إحدى الأستاذات بمؤسسة صلاح الدين الأيوبي لتلامذتها على تلقي الدروس الخصوصية . هذه الشكاوى جعلتني أتوقف قليلاً عند الظاهرة التي تفشت بصفة خطيرة بين تلامذة كل مراحل التعليم، الإبتدائي و الإعدادي وحتى الجامعي، ما جعل العديد من رياض الأطفال بمدينة فاس- تتحول كما في كل المدن المغربية الأخرى- إلى مدارس متخصصة في الدعم والتقوية في جميع المواد والموضوعات لجميع التلاميذ الذين يواجهون، وحتى الذين لا يواجهون منهم أي صعوبة في الاستعداد للاختبارات والامتحانات..
وذلك “على عينك آبن عدي” إي أمام أعين المسؤولين على التعليم والتربية والتوجيه والاجتماع ، الذين من المفروض فيهم تشخيص الظاهرة بأسلوب موضوعي وعلمي وبناء ، واقتراح الحلول والمبادرات غير التقليدية، والحرص على تطبيقها ، بدل البكاء والتحسر على مستقبل أفواج التلاميذ الذين يرزحون تحت ضغط الظاهرة .
لأن الدروس الخصوصية ظاهرة تتنامى أمام أعينهم وبعلمهم ، وأصبح لها سوق رائجة يقوم بها المشتغلين بالتعليم والذين يدعون المهنية والضمير وهم منه مجردون..لأنهم وجدوا فيها الدخلً الجيد طيلة السنة، فيتسابقون بكل الوسائل لفرضها بكل الوسائل والطريق الأكثر ابتزازا .
ظاهرة جديدة/قديمة لها أبعاد خطيرة بعضها مرتبط بالقضايا التربوية والتعليمية والبعض الآخر مرتبط بالمجتمع بشكل عام، من حيث نشوء تقليد جديد وسوق جديدة وطبقة جديدة من المنتفعين منها والتي تطورت إلى مؤسسات تعليمية خاصة، تنظم العملية وتستفيد هي الأخرى من ربحيتها العالية .
فهل عجزت وزارة التعليم عن مواجهة أو تنظيم أو الحد من هذه الدروس الخصوصية، التي تنامت في السنوات الأخيرة بصفة مهولة وفاضحة؟ وأصبح لها سوقها الرائجة، واتسعت رقعة المدرسين المواظبين على تقديمها ، ولم تعد خفية كما كان في ما مضى من الزمان يلجأ اليها كلما نزل الظلام وكأنهم يخشون الشفافية والنور، يتسابقون إليها وعليها بكل الوسائل وأكثر الطرق إلتواء ومخاتلة، لما تمثله من دخل مهم يحقق توازنا ماليا لا يمكن للكثير من رجال التعليم الاستغناء عنه، حيث يفوق مردودها في كثير من الأحيان ما يتقاضاه أرقى رجال التعليم وأعلاهم درجة، و ذلك حسب نوعية المادة المدرسة وطبيعة المستفيدين ومستواهم الدراسي والذي شمل حتى الأقسام الابتدائية الأولى و المستويات الجامعية العليا.