حوار مع الشاعر المصري أحمد حسن محمد ــ د. فاطمة الديبي / ذ نصر سيوب (أحب المشي حافياً على تراب سكة الحقل)

“أصولي الفكرية”:

كل ما وقع تحت يدي من كتب كان أصولاً فكرية، لكن أولها وآخرها القرآن الكريم!!

ــ “جذور تنشئتي الشعرية”:

الألم والحرمان مرشدان كافيان أن يسحبا إنساناً من يده ليكون شاعراً!! وأنا عانيت في صغري حرماناً من نوع ما سبب مرضي الورقي الذي كان هو نفسه علاجاً ورقياً بتقطير الحبر الأزرق لأي إحساس قاتم ..

ــ “بين قصيدة النثر والقصيدة الموزونة”:

أنا لا تهمني المصطلحات أبداً، وكل من حارب من أجل التسمية فهو عندي كمن يحارب في تسمية الهواء هواءً أو نسيماً، أنا يهمني الجوهر، وكم من نصوص نثرية فاقت قصائد موزونة شاعرية وشعرية، وكم من قصائد موزونة لو قارنتها بنصوص نثرية لكانت كالعبيد أمام الملوك!! ولكن في النهاية الشعر كلمة اصطلاحية، ونحن في عصر زحزحة المصطلحات!!

ــ “هل الوزن قيد”: 

الوزن لا يحد من قدرة الشاعر بالضبط، لكنه يفرض عليه مساحات أقل مما يفرضها عليه عدم الوزن… ولكن الوزن لا يجبر الشاعر بالتزام كلمات دون كلمات، فالعربية ممتلئة جداً بالبدائل، ولعل نبوغ كثيرين من شعرائنا في العمود فضلا عن التفعيلة يؤكد أن الشاعر الملتزم بالعروض يفوق إبداعياً كثيرين من الناثريين.

ــ “أن تكون شاعرا في كل شيء”:

لهذه الجملة أبعاد شتى، ولكن ربما يجوز لي أن أسقطها الآن على بعد واحد يخص واقعنا، فسأقدم شهادتي أني عاصرتُ شعراء مؤقتين، بمعنى أنهم شعراء يكتبون عن الإنسانية والحرية والسلام حين يكون ذلك في مصلحتهم، ولكن حين لا يكون في مصلحتهم فإنهم يوقفون ساعة الشاعرية قليلاً ليعيدوا ضبطها في وقت مصلحة لاحقة، رأيتُ شعراء لا يتحدثون عن الحرية لأنهم تفرغوا إلى اللا شعر تحت “بيادة” مثلا…
بعد آخر: كن شاعراً يحس بكل شيء ويكتبه شعراً، فلقد فاجأني ذات اكتشاف أن كل ما في الدنيا يستحق أن تعامله بشاعرية حتى حبة تراب / عفر فيها قصيدة، يمكنك أن تكتبها لو كنت شاعراً في التعامل معها!!

ــ “الإبداع والهوية”:

الإبداع جزء من إنسانه أو الإنسان كل لإبداعه، وكلاهما لا غنى له عن هوية واضحة تأصلت فيه بعد ولادته، ولها امتدادات دينية أخرى فيما قبل الولادة/ في عالم الذرّ والشهادة على أنفسنا “ألستُ بربكم” …

ــ “الإبداع بين الحداثة والثوابت”:

ما حدث من تدمير معظم الثوابت وتمجيد الهامشي لم يكن حقاً معاصرة وحرية إبداع بقدر ما كان ينطبق عليه عنوان كتاب “من الذي يدفع أجر العازف”، لقد أطاع جيل كبير من المثقفين حينما بدأت بلادنا العربية تتخلص قليلا أو كثيراً من ظلام الاستعمار، أطاع هذا الجيل (المبتدئ في استنارته) الثقافة الغربية وقدم لها ثقافتنا العربية وثوابتنا وتراثنا ذبائح قرابين، وادّعوا أنها المعاصرة، في حين أن أشراف مثقفي الغرب أقاموا الكثير على ثوابتنا ولم يدمروا تراثهم رغم كثرة ما كان به من شُبَهٍ مظلمة، بل أصلحوا ما كان فيه شبهة اعوجاج أو احتاج إلى تقويم…. فمثلاً في بداية انتشار الفكر والثقافة في مصر في العصر الحديث وعلى مستوى الأدب رأينا روّاد الشعر الحديث قد نبذوا التراث الإسلامي بكل فجاجة، ليس لأنهم تعلموه وتفقهوا فيه فعرفوا أنه لا يصلح، ولكن لأنهم لم يعرفوا عنه إلا ما وصل إليه الفقه من جمود وعاظ المساجد، أو السطحية من دروشة شيوخ ذلك العصر، فبدلاً من أن يتكئ المثقف على عقله ويضع طوبة في سور الثقافة الإسلامية تقدمه للعيون بشكل صحيح، قام بالسخرية من السور، وذهب ليبني سور الثقافة الغربية من أساسه في بلادنا.

ــ “حر كشاعر، ومنطقة التوتر بين الشعر والنثر”:

نعم أشعر أني شاعر كحر وحر كشاعر، أما منطقة التوتر بين النثر والشعر فبصراحة لا أعترف بوجودها، فأنا أكتب النص حسب رغبته في العباءة التي يريد لبسها، وليتقبل القارئ النص لا على أنه شعر أو نثر بل على أنه جزء من سيرة نفسية فنية خاصة بصاحبه أحمد.

ــ “موقفي الشعري إزاء اللحظات التاريخة المصرية الراهنة”:

أما الموقف في تلك الظروف، فيبدو أني سأخفض من سقف مطالبي اضطراراً، ولا أطلب من الشاعر أن يكون له موقف وطني الآن في هذه الظروف ويكتب دفاعاً عن الدم، بل فقط أطلب منه أن يكون إنساناً ولا يبرر للقاتل هذه الجريمة!! فقد اكتشفنا أن معظم من نعرفهم من كتّاب يرتدون عباءة الإنسانية ليسوا إلا حيوانات.

ــ “العوائق التي اعترضتني وأنا أبحث عن إبداع لغتي الخاصة”:

بصراحة السؤال صعب جداً، فهو يحتاج إلى عقلية مدققة في حياتها الفنية والأدبية، وأنا من زمن بعيد اكتفيت بصمت التعايش مع التجربة بكل حواسي تاركاً التدقيق! لكن دوماً كانت العملية تحتاج إلى حرب ليس مع الآخرين ولكن مع منجزات الآخرين، ومع قلمك حتى لا يستهين بساحة الكتابة ويكرر ما سبقه إليه سابقوه!

ــ “الأقوى في عملي”:

أما الأقوى في عملي فهو أنا، لأني لا أكتب الآخرين، وما دمتُ أكتب نفسي فقط فهذا ما اعتبره.. أقوى شيء في عمل أي مبدع! أن يكتب ذاته فقط ، ولا يوزع نفسه على الآخرين، بل أن يكتب الآخرين من خلال ذاته فقط! أن يجعل كل عمل قطعة إنسانية من إنسانيته حتى إن لم يكن قطعة فنية رائعة بمعايير نقدية أكاديمية لا يهمها إلا البلاغة بمفاهيمها القديمة… الكلمة في الوقت الحالي صارت مخزناً واسعاً جداً للحضور الذاتي والمعيشي والهم السياسي والوطني والقومي والثقافي والأدبي في الوقت نفسه!
في كلمة العشق تكتب كل همومك حيث تمتد الدلالات وتحيط بما لم تكن الجملة الشعرية تحيط به من قبلُ!!

ــ “نكتب القصيدة أم تكتبنا”:

نحن نكتب أحياناً كمدخل لكي تكتبنا القصيدة، وأحياناً تكتبنا القصيدة من البداية..

ــ “هل الحرف مؤلم”:

لا يلزم أن يكون الحرف مؤلماً لكي نكتب بحبر القلب، يكفي أن تكون القضية صادقة، وأن نكون صادقين في إحساسنا بها حتى لو كان قضية سعيدة، وقتها سنكتب بحبر القلب ونبض القلم الساخن السريع جداً…

ــ “هل الشاعر إنسان مجنون”:

هو إنسان مجنون وغير متوازن في نظر كل الناس الذين يفضلون قواعد الجماد، وتكرار السلوك والحياة برتابة!
الناس الذين لو رأوا نبياً من السماء في ساعة وحي أو تأمل سيظنونه مجنوناً!
المبدع دوماً يؤلف الكون بمزاج خاص، ومن حقه أن يعيشه كما يرى بما لا يخالف عقيدة الخالق الذي لا يمكننا أن ندعي أنه مثل الآخرين في إرساء القواعد!!

ــ “الشعر المغربي”:

من قرأت لهم من الشعراء المغاربة يجعلني مبهوراً بحركة الشعر المغربي إن كان الجميع مثلهم! أحب القصيدة التي تتزين بهذه الروح!

ــ “سؤال: (معروف أن المبدع بصفة عامة هو مرآة عاكسة لهموم المستضعفين والمظلومين، وصوت من لا صوت له.. فكيف يصبح صوتا وبوقا مشوَّها للطغاة والظالمين، ومدافعا عن الظلم؟؟):

يصبح كذلك حين يمتلئ بشهوات الجسد السوداء، ويطرد ما تبقى فيه من بياض الروح، أظن أنه يتخلى عن إنسانيته كاملة ويبقي على حيوانية جسده كاملاً فيتقوى بالظالمين من الحكام على أرباب الحكام أنفسهم..
فكيف يمتلئ بكل سواد طينيه الجسدي ويبقى مرآة عاكسة!
بل مرآة موحلة!

ــ “شعري”:

شعري مدمن للصداقة وللصدق الفني والإنساني فيه!

ــ “دور الشعر في قضايا الأمة”: 

أما دور الشعر في قضايا الأمة، فهو نفسه دور المسلم في إعمار الأرض والاهتمام بأمر المسلمين!

ــ “بين الشاعر وقارئه”:

بالطبع يوجد توازن بين الشاعر وقارئه، مع أن هذا التوازن نسبي والإيمان بوجوده والالتزام به نسبي كذلك!!

ــ “كيف تخرج القصيدة”:

بالتصور، بالتخيل، تصوّر المثال الذي يود أن ينسج على منواله قصيدته، بالاستدراك ، بأن يحدث الحروف كأنه يجري مقابلة شخصية لهم للالتحاق بوظيفة!!
هكذا تخرج القصيدة رائعة إن شاء الله.

ــ “علاقة الشاعر بالناقد”:

بالطبع هذه علاقة ضرورية، لكني أظن أنها ليست ضرورية على الدوام، وإلا فلن يكون هناك جديد في الأدب، فالنقاد الأكاديميون في أغلبهم يتعاملون مع الأدب كمهنة، ويحاولون بقدر الإمكان أن يؤصلوا فيها ويقعدوا ويجمّدوا القواعد، والشاعر الفذ المبدع هو الذي يضع في كل نص جديد له آليات خاصة لنقد نصه وليس آليات قديمة.

ــ “حالة النص الشعري”:

كل ما أحرص عليه في حالة النص الشعري وكتابته أن يكون صورة نسخة طبق الأصل من وجهي الداخلي.. المفردات والرموز والصور الشعرية والمرجعية كلها في الداخل مهضومة تخرج حسب ما تقتضيه حاجة النص.. أتمنى أن أكون كذلك في كل نصوصي.

ــ “وطني الشعري”:

أن تكون قصيدتي فيها ملامح قريتي، فهذا وطني الذي يحلو لي فيه أن أصلي ركعتين شكراً لله على هذا الوطن!

ــ “قال بول فاليري:(الشعر رقص والنثر مشي.. فقد ترقص وأنت تمشي أو تمشي وأنت ترقص)”:

أنا أحب الشعر والكتابة حباً جماً كما يحب المريض طبيبه الذي ساعده على العلاج،
لكن هناك الذي يمنح الشفاء، فأنا لا أدعو الطبيب، لكني أدعو خالق الطبيب الذي منحني موهبة الحياة وموهبة الشعر لأمارس دوري في إعمار الأرض، وليس لأجعل قلمي خالصاً لوجه الشعر، لكن خالصاً لوجه الله أتقرب أنا لربي بشعري. فهل عرف فاليري كيف يكون الشعر نوعاً من العبادة والشهوة في الوقت نفسه!

ــ “قصيدتي: فنجان دم”:

أصارحك: الدم الذي سال اضطرني أن أكتب ما يقارب الدواوين الثلاثة، لم أشعر بنفسي منذ بدأت الثورة، كان الدم السائل يكتب بنفسه بدلاً من حبري، والبندقية الرخيصة تملي على قلمي كيف كان الموت!
لا أذكر كيف كتبت هذه الكمية في ذلك الوقت القصير، لكن أؤكد لك: هي أصدق فترة كتبت فيها شعراً وأصدق صياغاتي على الإطلاق! وأقربها إلى قلبي.

ــ ” قصيدتي:

فِي الثُّلثِ الأَخِيرِ مِنَ الْبُكَاءِ”: أنا أحبها لأنها مكتوبة في حبيبتي القرية، وعن شخص طيبٍ كنتُهُ حين كنت أكتبها.. فيها نفس لله يشبه تنفس الصبح.

ــ “سر ارتباطي بالقرية والزراعة والحقل”:

السر الكامل هو جدّي، فأنا أشمه في رائحة التراب المندّى، وأراه في صفرة السنابل، وأشتاق إليه كلما لعب غصن في حضن أمه الشجرة
هو (رحمه الله) حياتي الأولى التي بدونه ساءت كثيراً ولكن الحمد لله تعالى!

ــ “مسابقة أمير الشعراء”:

ليس الشعرُ معياراً وحيداً للمسابقة والتأهيل، وقد اعترف بذلك د. صلاح فضل في حواره يومها على شبكة المحيط! ما وصلني أنهم أقصوني لانتمائي الإسلامي، وقد يكون ذلك صحيحاً وقد لا يكون!
ــ ” الواقع المصري الحالي إلى أين؟”: هذا يعلمه الله، ولكن بعد نجاة نوح وقومه المؤمنين، عاد الكفار بالله لمكانة العروش السابقة كذلك، فلا نستبعد أن يبقى في مصر حيوانات بأشكال الآدميين يقال عنهم “نخبة”، وكذلك يبقى في مصر (الإنسان) الذي يحب الوطن لله، ويؤدي ما عليه رغم كل شيء عبادة لله عز وجل!
أتمنى ألا يتركنا الله وحدنا في المعركة، فبدون مشيئته لن يكون لنا نصر هنا.

ــ “طموحاتي”:

طموحاتي دعوات: أدعو الله تعالى أن يجعل شعري عبادة له، فلا أكف عن هذه العبادة في يوم من الأيام حتى أموت، وألا يكون في قلبي حبٌّ لغيره إلا من أجله، وأن يشفيني من ابتلاء قديم، وأن يرزقني أولاداً يحبهم ويحبونه على قدر كبير من جمال الخلْق والخلُق، وأن يجعلني باراً بوالديّ!
أدعو الله أن أتفرغ للكتابة على الدوام..
ــ “قصيدتي المستحيلة”: هي التي لا أتدخّل في فنياتها بقصوري، بل يلهمني إياها الله تعالى بكماله!
ــ “هواياتي الأخرى”: أحب المشي حافياً على تراب سكة الحقل.
أحب أن أهيم وسط الأراضي الزراعية قبل المغرب، وأنا أسجّل خواطري صوتاً، فهي لحظة تنسجم فيها كل الدنيا مع كل الدنيا في قلبي..
أحب التصوير الفوتوغرافي.
وأحب ألا أذكر إساءات الآخرين لي.
هذه هوايات غريبة ربما..


ملحوظة : أجري الحوار سنة 2013

عن موقع: فاس نيوز ميديا