حرية الصحافة بين الدستور والبيروقراطية: هل تحولت المهنة إلى امتياز لفئة معينة؟

حرية الصحافة في المغرب حق دستوري لا يقبل التأويل، إذ ينص الفصل 28 من الدستور المغربي على ضمان حرية التعبير والنشر دون أي شكل من أشكال الرقابة القبلية. ورغم ذلك، يواجه الصحفيون، خاصة المستقلين، عقبات متزايدة تحول دون ممارستهم لهذه المهنة، حيث فرض المجلس الوطني للصحافة شروطًا إدارية صارمة، من بينها إلزامية الحصول على شهادة جامعية أو الباكالوريا، بالإضافة إلى التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهي إجراءات يعتبرها كثيرون وسيلة لتضييق الخناق على الإعلام الحر وتحويل الصحافة إلى مهنة نخبوية بدل أن تكون فضاءً مفتوحًا للجميع.

فاس نيوز تتابع هذه القضية التي تثير جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، حيث يرى العديد من الصحفيين أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ الدستور الذي لم يحدد أي مستوى تعليمي معين لممارسة الصحافة، مما يجعل هذه الشروط تتناقض مع القوانين الوطنية والدولية التي تنص على أن حرية التعبير مكفولة لكل مواطن دون تمييز. كما أن العديد من الأسماء اللامعة في مجال الصحافة لم تحصل على شهادات جامعية، لكنها استطاعت أن تترك بصمة قوية من خلال التجربة والممارسة الميدانية. فكيف يمكن اليوم تبرير إقصاء فئات واسعة من المواطنين لمجرد عدم توفرهم على شهادة أكاديمية؟

فاس نيوز رصدت أيضًا ردود فعل العديد من الفاعلين في المجال الصحفي الذين يعتبرون أن هذه الشروط تتعارض مع واقع المهنة، حيث أن الصحافة ليست مجرد شهادة أكاديمية، بل هي قدرة على نقل الأخبار بموضوعية ومهنية، وهي مهارة يمكن اكتسابها بالممارسة والخبرة. إضافة إلى ذلك، فإن فرض التسجيل في الضمان الاجتماعي كشرط لمزاولة المهنة يقصي آلاف الصحفيين المستقلين الذين يشتغلون بطرق غير تقليدية، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية التي جعلت الصحافة الإلكترونية تأخذ حيزًا مهمًا داخل المشهد الإعلامي المغربي.

العديد من الصحفيين الذين تحدثت إليهم فاس نيوز يرون أن الحل لا يكمن في فرض شروط تعجيزية، بل في تقديم برامج تكوينية تركز على أخلاقيات المهنة، بحيث يكون الولوج إلى الصحافة متاحًا للجميع مع ضمان التكوين المناسب للراغبين في ممارسة هذا المجال. فالصحافة ليست حكرًا على فئة معينة، بل هي صوت المجتمع، ولا يمكن حصرها في من يحمل شهادة جامعية، لأن الممارسة المهنية والالتزام بالأخلاقيات الصحفية هما الأساس الحقيقي الذي يحدد مدى أهلية أي شخص لممارسة هذه المهنة.

في ظل هذه المستجدات، يظل التساؤل مطروحًا: هل نحن أمام إجراءات تنظيمية تهدف إلى تحسين المهنة وضمان الجودة، أم أن هذه الشروط هي في الحقيقة وسيلة لإقصاء الصحافة المستقلة وإحكام السيطرة على الإعلام؟ فاس نيوز ستواصل مواكبة هذا الملف ورصد تطوراته، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة التي يواجهها المجلس الوطني للصحافة من قبل المهنيين والمهتمين بحرية التعبير في المغرب.

المصدر: فاس نيوز