تعقيدات المجلس الوطني للصحافة والشروط البيروقراطية التي يفرضها على مزاولة المهنة أصبحت سببًا رئيسيًا في انتشار الصفحات المجهولة والمحتوى الرقمي المسيء، بدل أن تكون وسيلة لتنظيم القطاع وتخليقه. فمن خلال اشتراط شهادات جامعية والتسجيل في الضمان الاجتماعي للحصول على بطاقة الصحافة، أصبح المجال مغلقًا أمام العديد من الصحفيين المستقلين والراغبين في الولوج إلى المهنة، مما دفع البعض إلى اللجوء إلى وسائل بديلة، غير منظمة، لنشر الأخبار والمحتوى الإعلامي دون أي التزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية.
اتهام الدولة بالتضييق على حرية الصحافة هو اتهام غير دقيق، إذ أن العقبة الحقيقية تأتي من داخل المهنة نفسها، حيث يتحكم المجلس الوطني للصحافة، الذي يتشكل من صحفيين، في تحديد من يحق له ممارسة المهنة ومن لا يحق له ذلك، وهو ما يتعارض مع مبدأ حرية الصحافة المكفول دستوريًا. فبدل أن يكون هذا المجلس وسيلة لحماية الصحفيين وضمان حرية التعبير، تحول إلى أداة في يد بعض ممثلي المهنة لفرض هيمنتهم وإقصاء كل من لا يتوافق مع معاييرهم الضيقة.
الأجدى كان العمل على تيسير الولوج إلى الصحافة، مع وضع برامج تكوينية تركز على أخلاقيات المهنة، بدل فرض عراقيل تجعل ممارسة الصحافة حكرًا على فئة محدودة. فحرية الصحافة لا تعني فقط السماح لمن يملك شهادة جامعية بممارستها، بل تعني منح الفرصة لكل من يملك القدرة على نقل الأخبار بموضوعية ومهنية، مع الالتزام بالضوابط الأخلاقية والقانونية.
في ظل هذه المعطيات، يظل التساؤل مطروحًا حول الدور الحقيقي للمجلس الوطني للصحافة: هل هو مؤسسة لتنظيم المهنة وفق مبادئ العدالة والشفافية؟ أم أنه أصبح وسيلة احتكارية تمنح البعض صلاحية التحكم في قطاع الصحافة وحرمان آخرين من حقهم المشروع في التعبير والإعلام؟
يتبع..
المصدر : فاس نيوز ميديا