المغرب نموذج رفيع في حماية حرية الصحافة بينما التضييق يمارس من داخل المهنة

لا يجوز لأحد أن يتهم الدولة المغربية بالتضييق على حرية الصحافة، لأن هذا التضييق لا يأتي من الدولة، بل من داخل المهنة نفسها ومن طرف من يفترض أنهم يمثلون الصحفيين. فالمجلس الوطني للصحافة، الذي كان يفترض أن يكون هيئة لتنظيم القطاع بشكل أكثر ديمقراطية وانفتاحًا، تحول إلى أداة لفرض قيود غير مبررة تضر بمبدأ حرية الممارسة، حيث أصبح يمنح الحق لبعض الصحفيين في تحديد من يمكنه مزاولة المهنة ومن لا يحق له ذلك، وهو ما يتناقض مع أسس العدالة المهنية والمساواة في الفرص.

الدولة المغربية، من خلال تأسيس المجلس الوطني للصحافة، وضعت إطارًا قانونيًا يهدف إلى حماية الصحافة وتنظيمها بشكل يحترم المعايير الدولية، لتصبح من بين الدول القليلة في العالم التي تتبنى نموذجًا متقدمًا لضمان ممارسة الصحافة بشكل منظم ومسؤول. غير أن هذا المجلس، بدل أن يعمل على تسهيل الولوج إلى المهنة وتخليقها، أصبح يفرض شروطًا بيروقراطية تعيق انضمام الصحفيين المستقلين، وتمنح فئة معينة من الصحفيين سلطة احتكار المهنة، مما أدى إلى انتشار صفحات مجهولة ومحتوى غير منظم.

إن النموذج الذي تبنته الدولة لحماية الصحافة يقوم على مبدأي التنظيم والتخليق، وليس الإقصاء والتضييق. فبدل فرض قيود مشددة مثل اشتراط شهادات جامعية أو التسجيل في الضمان الاجتماعي، كان الأجدر العمل على خلق برامج تكوينية لتعزيز أخلاقيات المهنة، وفتح المجال أمام جميع من يملكون القدرة على ممارسة الصحافة وفق معايير الاحترافية.

التحدي الحقيقي اليوم ليس في وجود رقابة من الدولة، بل في سيطرة مجموعة من الصحفيين داخل المجلس الوطني للصحافة على قرارات تؤثر سلبًا على حرية الممارسة. فحرية الصحافة لا تعني منح الامتياز لفئة معينة وإقصاء أخرى، بل تعني ضمان الحق لكل من يلتزم بالمهنية والأخلاقيات الصحفية، بغض النظر عن مستواه الدراسي أو وضعيته الإدارية. لهذا، فإن تحميل الدولة مسؤولية أي تضييق هو قراءة خاطئة للواقع، لأن التضييق يمارس من داخل الجسم الصحفي نفسه وليس من قبل الدولة التي عملت على توفير إطار قانوني يهدف إلى حماية المهنة وتنظيمها وفق أفضل الممارسات العالمية.

المصدر : فاس نيوز ميديا