تعتبر القراءة ممارسة ثقافية ذات حمولة رمزية ومعرفية بالغة الأهمية، غير أن مقاربتها سوسيولوجيا تكشف عن تداخلات معقدة بين البنية الاجتماعية والجندرية والمؤسساتية. وفي الحالة المغربية، تطرح القراءة النسائية، تحديدا لدى النساء المغربيات، إشكاليات متعددة تتعلق بطبيعة الفضاءات التي تنتج فيها القراءة، ونوعية المضامين المقروءة، والفروقات بين القراءة الرسمية الموجهة عبر النظام التربوي، والقراءة الحرة باعتبارها ممارسة ذاتية تخلق أشكالا من التفاوض مع السلطة والمعرفة والهوية.
لا تمارس القراءة في الفراغ، بل هي فعل اجتماعي مركب تحدد ملامحه القوى الثقافية والتربوية والدينية، كما تشكله الخبرات الفردية والتمثلات الاجتماعية للجندر. في السياق المغربي، لا تنفصل القراءة عن علاقات القوة، فهي محكومة بمؤسسات تنتج خطابا قرائيا رسميا، بينما تبدع النساء –خاصة الشابات منهن– في خلق ممارسات قراءة حرة، تقاوم الهيمنة الرمزية، وتعيد تشكيل الهوية الأنثوية. انطلاقًا من هذا الإطار، يطرح النص أربع إشكالات مركزية: متى تقرأ المغربية؟ كيف تقرأ؟ لماذا تقرأ؟ وماذا تقرأ؟
في النظام التعليمي المغربي، تقدم القراءة كفعل مدرسي مقنن، تحدده المقررات والبرامج الرسمية. وتخضع الفتاة المغربية في هذا السياق لعملية تدجين رمزي تكرس في كثير من الأحيان نمطا أحاديا من التلقي المعرفي قائم على الحفظ والانضباط لا على النقد أو الإبداع. من منظور بيير بورديو، تشكل هذه القراءة جزءا من عملية إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية والثقافية، حيث تكون القراءة المدرسية أداة لبناء رأسمال ثقافي مؤسساتي، لكنه رأسمال غالبا ما يكون هشا وغير متجذر بسبب غياب الاستمرارية والارتباط بالحياة اليومية.في مقابل القراءة الرسمية، تظهر القراءة الحرة كفعل فردي يحمل في طياته طابع التمرد أو التحرر، خصوصا عندما تمارسها النساء خارج الإكراهات المؤسساتية أو العائلية. إذ تتحول القراءة إلى وسيلة لاستكشاف الذات، والتعبير عن الرغبة، وبناء علاقة جديدة مع الجسد والمعنى.
تشير بعض الأبحاث النسوية إلى أن القراءة الحرة تمكن النساء من مقاومة الصور النمطية، والانخراط في تجارب فكرية بديلة قد تزعج المحيط الذكوري أو المحافظ، خاصة حين تشمل كتبًا في الفكر النسوي، أو الرواية، أو السير الذاتية. وهنا يمكن استحضار أطروحة ميشال دو سيرتو حول القراءة كفعل مقاومة يومي، حيث يمارس القارئ/القارئة نوعا من الاختيار الحر الذي يتجاوز النصوص المقررة إلى النصوص المختارة بعناية ذاتية.
لا يمكن الحديث عن القراءة في المجتمع المغربي دون ربطها بالتفاوتات الطبقية والمجالية والجندرية، ففي الوسط القروي، تظل القراءة حكرا على المدرسة، إن وجدت، وتحرم الفتاة في كثير من الأحيان من مراكمة رأسمال رمزي ثقافي خارج الفضاء التعليمي. أما في المدن، وعلى الرغم من ارتفاع نسب التمدرس، فإن حضور القراءة في الحياة اليومية للنساء يتأثر بمحددات مثل الطبقة، ومستوى التعليم، والوضع الاقتصادي، وهي عوامل تؤثر مباشرة في نوعية الكتب المقروءة، واللغات المعتمدة، وزمن القراءة نفسه.من هنا، يمكن تحليل القراءة الحرة لدى المغربيات بوصفها حقا ثقافيا غير متكافئ، يرتبط بامتلاك الزمن والفضاء وحرية التمثلات.
وفق نظرية أكسيل هونيث، فإن الحاجة إلى الاعتراف تشكل أحد المحركات الأساسية في الفعل الثقافي. ولدى المرأة المغربية، تصبح القراءة الحرة فعلا من أفعال الاستحقاق الرمزي، ومجالا لبناء هوية ذاتية غير خاضعة لمنطق الوصاية أو الهيمنة الذكورية. فالمرأة التي تقرأ خارج الإطار الرسمي تعيد رسم علاقتها بذاتها وبالعالم، وتقاوم في الوقت ذاته الإقصاء الرمزي الذي طالما حرمها من حق إنتاج المعنى.
القراءة لدى المغربية ليست مجرد عملية معرفية بل تجربة اجتماعية وجندرية وثقافية معقدة. إنها مجال يظهر الصراعات الطبقية والرمزية، ويعكس التفاوت في الوصول إلى المعنى والمعرفة. وبين القراءة الرسمية كأداة ضبط، والقراءة الحرة كفعل تحرر، يتشكل وعي المرأة المغربية وتعاد صياغة علاقتها بالسلطة، بالذات، وبالعالم.
تكشف الدراسات الميدانية أن المغربية تكرس وقتا محدودا للقراءة لا يتجاوز دقائق معدودة يوميا، مقابل ساعات تستهلك في الأعمال المنزلية أو في الترفيه التلفزي. ورغم ذلك، تبين الشهادات أن القارئات الشابات يخلقن زمنا هامشيا للقراءة، مثل وقت التنقل أو ساعات الليل، في شكل من أشكال تدبير الزمن كاستراتيجية ثقافية مقاومة.في ظل هيمنة النشر الورقي وقلة المكتبات العمومية، تلجأ المغربيات بشكل متزايد إلى القراءة الرقمية: الهواتف الذكية، ملفات PDF، وتطبيقات الكتب الصوتية. إلا أن الفجوة الرقمية لا تزال تُقصي فئات نسائية، خصوصا في القرى، من التفاعل مع هذا التحول، مما يجعل من فعل القراءة نفسه مؤشرًا على التفاوت الاجتماعي.
تتعدد دوافع القراءة بين الامتثال المدرسي، إذ تفرض المدرسة نصوصا مقررة تفتقر أحيانا للراهنية أو البعد النقدي، وبين التكوين الديني، ضمن حلقات المساجد وبرامج محو الأمية، وأحيانا التمكين الذاتي، من خلال كتب التنمية والرواية النسائية، في تعبير عن المقاومة الرمزية، حيث تتحول القراءة إلى فعل جندري مقاوم للتمثلات الأبوية السائدة.
تتنوع مضامين المقروء بين كتب مدرسية ودينية مرتبطة بالضبط المؤسساتي، وروايات رومانسية وعالمية تستخدم كوسيط للتعبير الذاتي والتخيل، ومرة نصوص نسوية ونقدية تُفتح من خلالها إمكانيات إعادة تعريف الذات الأنثوية، أو مواد رقمية شعبية تنتشر خارج أي رقابة رسمية.
تمارس على المرأة القارئة أنماط متعددة من الضبط: المناهج، الأسرة، رجال الدين، والأعراف، لكن في المقابل، تبدع القارئات استراتيجيات مقاومة منها إعادة تأويل النصوص، القرصنة الثقافية، تأسيس نواد قرائية مستقلة، إنتاج محتوى نقدي نسائي مضاد للنظام الرمزي المهيمن.
يتضح أن فعل القراءة لدى المغربية ليس فعلا بريئا أو تلقائيا، بل هو ساحة صراع بين الهيمنة والتحرر. وبينما ُحاول المؤسسات التأثير في المضامين والزمن والوسيط، تنجح فئات نسائية متزايدة في إعادة تشكيل هذا الفعل الثقافي، وجعله أداة لبناء الذات، وفضاء لمقاومة الإخضاع الرمزي والاجتماعي. ومن ثم، فإن سوسيولوجيا القراءة النسائية تعد مدخلا حيويا لفهم تحولات الثقافة والمجتمع في المغرب الراهن.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر