الزعيم الذي لا يغادر… والأحزاب التي نسيت معنى التجديد
في كل بلاد العالم، يتغيّر الزعماء… إلا عندنا، الزعيم لا يتغيّر بل “يتجدد” مثل جواز السفر، يُمدّد له المؤتمر كما تُمدّد رخصة السياقة، ويُحتفى به كمنجز وطني في فن البقاء الطويل.
في الأحزاب المغربية، التداول على القيادة يشبه الكائن الخرافي: الجميع يتحدث عنه، ولا أحد رآه. الزعيم يُنتخب في مؤتمره الأول، ثم يُعاد انتخابه في الثاني، ويُجدد له في الثالث، إلى أن يصبح وجوده عادةً تنظيمية لا تُناقش. وحين يجرؤ أحد الشباب على التساؤل عن موعد الرحيل، يُجابَه بعبارة من زمن “العفط السياسي”:
“هذا ضَسَر… عفط على أمّو!”
المضحك أن بعض هؤلاء الزعماء بدأوا المسار في عهد الفاكس، وما زالوا يقودون الحزب في زمن الذكاء الاصطناعي. تغيّرت الأجيال، تغيّرت التكنولوجيا، لكن الزعيم لم يتغيّر، فقط غيّر لون شعره وشعار الحزب. كما قال نيتشه:
“من لا يملك قوة التغيير، يركن إلى التكرار الأبدي.”
في كل مرة يُطرح فيها موضوع تجديد النخب، يخرج علينا “الرفيق” أو “المناضل” ليؤكد أن التجديد الحقيقي هو في “الأفكار لا في الأشخاص”. عبارة براقة تخفي وراءها حبًّا مرضيًا في الكرسي، وإيمانًا عميقًا بأن الوطن سيسقط بمجرد أن يغادر هو المنصة.
أما الشباب، فمكانهم معروف: التصفيق، تعليق الزينة في المؤتمرات، وملء الكراسي الفارغة أمام كاميرات التلفزيون. وإذا أظهر أحدهم طموحًا أكثر من اللازم، يُتهم بالتمرّد على “الزعيم التاريخي”، ويُصنَّف ضمن خانة “اللي عفط على أمّو”.
والدولة؟ تتفرج على المشهد، وكأن الأمر لا يعنيها. مع أن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب المسجلة، بل بعدد الزعماء الذين يعرفون متى يغادرون. لذلك صار من الضروري تغيير قانون الأحزاب السياسية وفرض قاعدة بسيطة وواضحة:
ولايتان فقط، وبعدها شكراً على الخدمة.
ليس من أجل محاربة الزعماء، بل لإنقاذ الفكرة التي اغتيلوها: فكرة التداول، التي صارت نكتة سياسية متداولة أكثر من كونها ممارسة ديمقراطية.
في النهاية، المشهد الحزبي عندنا يشبه مسرحية طويلة لم يبدل فيها الممثلون أدوارهم منذ الفصل الأول. الجمهور تغيّر، الزمان تغيّر، لكن البطل ما زال هناك، يردد الجملة نفسها منذ ثلاثين سنة:
“أنا لا أبحث عن السلطة، بل هي التي تبحث عني.”
وصدق من قال:
في المغرب، الزعيم لا يُنتخب… بل يُورّث نفسه بنفسه.
بقلم: معاد الوزاني الشاهدي
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر