تضليل بصري عابر للحدود… “سقطة إشبيلية” تكشف آليات صناعة الزيف الرقمي

متابعة

عادت إشكالية التضليل الرقمي لتفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، عقب تداول محتوى بصري جرى تقديمه على أنه يوثق واقعة بضواحي مدينة القنيطرة، قبل أن تكشف تحريات رقمية دقيقة أن المقطع صُوّر خارج التراب الوطني، وبالضبط في إقليم إشبيلية الإسباني، ما أثار موجة واسعة من الجدل حول مصداقية بعض المحتويات المتداولة على المنصات الرقمية.

وحسب معطيات متطابقة، فإن الفيديو المعني يوثق حادثة وقعت بتاريخ 24 يناير 2026 فوق مياه نهر “الوادي الكبير” (Guadalquivir)، بالقرب من إحدى المناطق التابعة لإقليم إشبيلية، قبل أن يتم إعادة توظيفه داخل سياق محلي مغربي، مع نسبه إلى منطقة “أولاد برجال” بضواحي القنيطرة، في طرح اعتبره متابعون “مضللاً” ولا يستند إلى أي أساس ميداني موثوق.

تحريات رقمية تكشف الحقيقة

وسرعان ما تمكن نشطاء ومتخصصون في التحقق الرقمي من تحديد المصدر الأصلي للمقطع، اعتماداً على مقارنة المعالم الجغرافية، وتوقيت الواقعة، والمواد المصورة المتداولة سابقاً في وسائل إعلام إسبانية، وهو ما أدى إلى انكشاف التباين الواضح بين الرواية المنشورة والحقيقة الموثقة.

وعقب تصاعد الانتقادات وتداول المعطيات المصححة، جرى حذف الفيديو من المنصات التي نُشر عليها في البداية، في خطوة فسّرها متابعون بمحاولة احتواء الجدل بعد سقوط الرواية المتداولة.

التلاعب بالمحتوى البصري… خطر مضاعف

ويرى مهتمون بالإعلام الرقمي أن هذا النوع من “التضليل البصري” يُعد من أخطر أشكال الأخبار الزائفة، لكونه يعتمد على الصورة والفيديو كوسيلة إقناع مباشرة، ما يمنح المحتوى المفبرك قوة تأثير أكبر مقارنة بالأخبار النصية.

ويؤكد خبراء في التواصل الرقمي أن إعادة تدوير مقاطع مصورة من سياقات أجنبية وإسقاطها على وقائع محلية، دون تحقق أو توثيق، يساهم في خلق مناخ من البلبلة، ويقوض الثقة في المحتوى الرقمي، خاصة عندما يتم تقديم هذه المواد في قالب “سبق” أو “تسريب”.

مسؤولية أخلاقية وضرورة اليقظة

وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول المسؤولية الأخلاقية لصناع المحتوى، وحدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، خصوصاً عندما يتحول النشر غير المتحقق إلى أداة لتوجيه الرأي العام أو إثارة المخاوف دون سند واقعي.

وفي هذا السياق، شدد متابعون على أهمية تعزيز ثقافة التحقق من الأخبار، سواء لدى الناشرين أو المتلقين، والاعتماد على مصادر موثوقة قبل تداول أي محتوى، تفادياً للانسياق وراء روايات قد تكون مضللة أو مجتزأة.

نحو وعي رقمي مضاد

وتبرز “واقعة إشبيلية” الحاجة الملحة إلى ترسيخ آليات التحقق الرقمي (Fact-checking)، وتطوير الوعي الجماعي بمخاطر الأخبار الزائفة، خاصة في ظل التطور المتسارع لأدوات التلاعب بالصورة والفيديو.

كما تؤكد أن الفضاء الرقمي، ورغم ما يتيحه من سرعة في نقل المعلومة، يظل ساحة مفتوحة لكل من يسعى إلى التضليل، بقدر ما يوفر في المقابل أدوات فعالة لفضحه، متى توفرت اليقظة والوعي النقدي لدى المتابعين.

المصدر: فاس نيوز ميديا