من مدن مغربية عريقة كفاس والقنيطرة والدار البيضاء، انطلقوا ليقودوا اليوم عمليات مالية ضخمة تتجاوز الحدود والقارات. من قلب “المدينة” في لندن إلى ناطحات سحاب “وول ستريت”، مروراً بالمراكز العصبية للمال في باريس وأبو ظبي، استطاع هؤلاء المغاربة أن يتبوأوا أعلى المناصب في عالم المال والأعمال العالمي.
يترأس هؤلاء الخمسة صناديق استثمارية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، أو يقدمون استشاراتهم لمجموعات دولية كبرى، حيث يبتكرون وينفذون أكثر المعاملات تعقيداً. رحلتهم بدأت من المغرب، لكن طموحاتهم تجاوزت كل التوقعات ليحققوا نجاحاً باهراً ويصبحوا قادة في مجالاتهم.
إنهم ليسوا فقط فاعلين أساسيين في قطاعاتهم، بل هم أيضاً سفراء للكفاءة المغربية، يجسدون فن التفاوض والإدارة الذي يميز أبناء هذا الوطن.
في سياق ملف “المغرب: الوجه الجديد للشتات”:
هذا التقرير جزء من ملف أوسع يستعرض “المغرب: الوجه الجديد للشتات”. فاليوم، يعيش حوالي 6 ملايين مغربي في الخارج، موزعين على قارات العالم، من أوروبا والخليج إلى أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الشمالية. يتميز هذا الجيل الجديد من المغاربة المقيمين بالخارج بكونه أكثر شباباً، وأكثر تأنيثاً، وحاصلاً على مستويات تعليمية أعلى، مما يجعله رصيداً اقتصادياً واستراتيجياً هاماً لتنمية المملكة. ويتجه التركيز الآن نحو تكييف الدولة لتقديم التسهيلات اللازمة لهم وتشجيعهم على الاستثمار في وطنهم الأم.
من نيويورك إلى دبي، ومن لندن إلى سنغافورة، يسطر مغاربة المهجر فصولاً مُلهمة في عالم المال والأعمال، مُحققين حضورًا لافتًا في كبرى المؤسسات المالية العالمية.
في قلب العواصم الاقتصادية الكبرى، يبرز مغاربة ببصمات واضحة في صناعة القرارات الاستثمارية الضخمة. نزهة العلمي، المديرة الاستراتيجية في بنك استثماري مرموق بلندن، تقود مشاريع تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مُجسدةً بذلك قدرة الكفاءات المغربية على تولي زمام المبادرة في بيئات مالية تنافسية. وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، في نيويورك، يُعد ياسين بنحمو خبيرًا ماليًا بارزًا، حيث يتولى مسؤولية إدارة محافظ صناديق استثمارية ضخمة تابعة لعمالقة “وول ستريت”، مُبرهنًا على الثقة التي تحظى بها الخبرات المغربية في معقل الرأسمالية العالمية. أما في فرانكفورت، فتتولى فدوى العلوي مسؤولية حساسة تتعلق بالامتثال المالي في مصرف دولي، ما يعكس الكفاءة العالية التي تتمتع بها الكفاءات المغربية وثقة المؤسسات الرقابية الأوروبية في أدائها.
هؤلاء النخبة ليسوا مجرد أسماء لامعة في سماء المال العالمي، بل هم قوة فاعلة تُساهم في صياغة القرارات الاستثمارية التي تُحرك اقتصادات العالم. والأهم من ذلك، أنهم يُشكلون جسرًا حيويًا يربط بين الاقتصاد المغربي ونظيره العالمي، حاملين معهم خبرات ومعارف يمكن أن تُساهم في تعزيز التنمية في وطنهم الأم.
ما الذي يميز الكفاءات المغربية في المهجر؟
لا يأتي هذا التفوق من فراغ، بل يستند إلى مجموعة من المقومات الأساسية التي يتمتع بها أفراد الجالية المغربية في المهجر:
- تعليم متين متعدد الثقافات: نشأة العديد من هؤلاء الكفاءات في بيئات تجمع بين الثقافة المغربية وثقافات البلدان المضيفة، أكسبتهم فهمًا عميقًا للأسواق المتنوعة وقدرة فائقة على التواصل والتفاوض بلغات متعددة، وهو ما يمثل ميزة تنافسية هامة في عالم المال المعولم.
- قيم الانضباط والعمل الجماعي: ترسخت فيهم قيم الالتزام العائلي والجدية في العمل منذ الصغر، مما ساعدهم على التكيف بسرعة مع البيئات الاحترافية الصارمة التي تتطلب انضباطًا والتزامًا قويين.
- شبكات دعم وتعاون: تلعب الجمعيات المهنية المغربية في الخارج، مثل “منتدى المغاربة الماليين في المهجر”، دورًا محوريًا في توفير منصات للتواصل وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون فيما بينهم، مما يخلق بيئة داعمة للنجاح.
مساهمة تتجاوز التحويلات المالية
لم تعد مساهمة الجالية المغربية في الاقتصاد الوطني تقتصر على التحويلات المالية التقليدية. اليوم، تتخذ هذه المساهمة أبعادًا استثمارية واستراتيجية أعمق:
- الاستثمار في المشاريع الناشئة: يُبادر العديد من هؤلاء الكفاءات إلى تمويل شركات ناشئة في المغرب، خاصة في القطاعات الواعدة مثل التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي، مما يساهم في خلق فرص العمل وتعزيز الابتكار.
- نقل الخبرات والتكوين: يحرص هؤلاء الخبراء على نقل معارفهم وخبراتهم إلى الأجيال الشابة في المغرب، سواء من خلال شراكات مع الجامعات المغربية أو عبر منصات رقمية، مما يساهم في رفع مستوى الكفاءات المحلية.
- المشاركة في السياسات العمومية: يتم استشارة بعض هؤلاء الخبراء من قبل المؤسسات الحكومية في إعداد السياسات الاقتصادية الوطنية، مستفيدين من رؤيتهم العالمية وخبراتهم المتراكمة.
تحديات في الطريق نحو التميز
على الرغم من قصص النجاح الملهمة، لا تخلو مسيرة الكفاءات المغربية في الخارج من تحديات:
- صعوبات الاندماج المؤسسي: في بعض الدول، يواجه المغاربة ما يُعرف بـ “السقف الزجاجي” الذي يعيق تقدمهم نحو المناصب القيادية العليا في المؤسسات الكبرى.
- الهوية المزدوجة: يظل التوفيق بين الانتماء العميق للمغرب والانخراط الكامل في المجتمعات الجديدة تحديًا نفسيًا وثقافيًا يواجهه الكثيرون.
- قلة الاستفادة الوطنية: ما زال المغرب بحاجة إلى تطوير آليات مؤسسية أكثر فعالية لاحتضان هذه الكفاءات ودمجها في مشاريع التنمية المحلية بشكل ممنهج.
نحو استراتيجية وطنية للاستفادة من النخبة المغربية
لتحقيق الاستثمار الأمثل في هذه الطاقات الهائلة، يُقترح تبني رؤية استراتيجية متكاملة تشمل:
- إحداث مرصد وطني للكفاءات المالية المغربية بالخارج: لتحديد هذه الكفاءات وتصنيفها وتسهيل التواصل معها.
- وضع حوافز ضريبية وتشريعية: لتشجيعهم على الاستثمار في المغرب وإطلاق مشاريعهم الخاصة.
- تنظيم منتديات دورية: تجمع بين صناع القرار في المغرب والكوادر المغربية المتميزة في المهجر لتبادل الأفكار وبناء الشراكات.
إن الكفاءات المغربية العاملة في أسواق المال الدولية تمثل رأس مال بشريًا عالميًا يجب على المغرب أن يُحسن استثماره. من خلال تبني سياسات إدماج حقيقية وبناء شراكات دولية مُدروسة، يمكن تحويل هذه القصص الفردية الملهمة إلى قوة دافعة جماعية نحو مغرب أكثر تنافسية وازدهارًا على الساحة الدولية.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر