“فقه الكد والسعاية”: حق المرأة في المساهمة بالثروة الأسرية بين الجذور التاريخية والتطبيقات الحديثة

يُعدّ “فقه الكد والسعاية” من المفاهيم الفقهية الإسلامية التي تعترف بحق المرأة في الحصول على حصة من الثروة الأسرية بناءً على مساهمتها فيها، سواء عبر العمل خارج المنزل أو من خلال الأعمال المنزلية. هذا المفهوم له جذور تاريخية عميقة، ويشهد اليوم تطبيقات قانونية متطورة، خاصة في المغرب، حيث يثير جدلاً مستمراً حول شمولية هذا الحق وتطوره.

شرح المفهوم وأصوله التاريخية

يرتكز “فقه الكد والسعاية” على القواعد الفقهية التي تمنح الزوجة نصيباً من الثروة التي ساهمت في بنائها خلال فترة الزواج. ويُعتقد أن أصله يعود إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حين حكم في قضية حبيبة بنت زريق التي ساهمت في تكوين ثروة زوجها عبر عملها في النسج والتطريز. حكم عمر بتقسيم الميراث بحيث تحصل حبيبة على نصف الثروة، فيما قُسم النصف الآخر بين الورثة، مؤسساً بذلك قاعدة شرعية لحق الكد والسعاية في التراث الفقهي.

وقد أكد الفقهاء، وخصوصاً المالكية، على استقلالية الذمة المالية للمرأة، مستندين إلى آيات قرآنية مثل قوله تعالى: “للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن” (النساء: 32). كما صدرت فتاوى متعددة تؤكد حق الزوجة في اقتسام ثروة الزوج بناءً على جهدها ومساهمتها.

التطبيقات القانونية في المغرب

منذ عام 2004، أدرج المغرب “حق الكد والسعاية” ضمن مدونة الأسرة، حيث تنص المادة 49 على استقلالية الذمة المالية للزوجين وإمكانية إبرام اتفاقيات لإدارة الثروة المشتركة. وقد شهدت المحاكم المغربية أحكاماً تقديرية تمنح الزوجة تعويضات مالية مقابل مساهمتها في الأعمال المنزلية وتربية الأبناء، حتى في غياب اتفاقيات رسمية.

وفي ديسمبر 2024، ناقش المجلس الأعلى للعلماء برئاسة الملك محمد السادس تعديلات مقترحة لمدونة الأسرة تتناول هذا الحق، في إطار جهود لتعزيز العدالة والمساواة داخل الأسرة.

الجدل حول شمولية الحق وتطوره

يثير “حق الكد والسعاية” نقاشاً مستمراً حول ما إذا كانت الأعمال المنزلية مثل الطبخ والتنظيف تدخل ضمن نطاق هذا الحق. يرى بعض الفقهاء كأبي ثور والطبري أن الأعمال المنزلية واجب على الزوجة ولا تستحق تعويضاً، بينما يرى آخرون كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنها اختيارية وقد تستحق مقابلاً مادياً إذا ساهمت في تنمية ثروة الأسرة.

وقد دعت فتاوى معاصرة، أبرزها دعوة شيخ الأزهر في 2022، إلى إحياء هذا الحق حمايةً لحقوق المرأة العاملة، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة.

التطورات الدولية والدعوات الحديثة

في فبراير 2022، دعا الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى إحياء فتوى “حق الكد والسعاية” لحماية حقوق المرأة في العمل والمساهمة في تنمية الثروة الزوجية. كما أصدرت الأكاديمية الفقهية الإسلامية الدولية قرارات تؤكد استقلالية المرأة المالية وحقها في التصرف بأموالها دون إذن الزوج.

هذه المبادرات تعكس حرص الشريعة الإسلامية على صون كرامة المرأة وضمان حقوقها في ظل التحولات المعاصرة.

خلاصة

“فقه الكد والسعاية” هو مفهوم فقهي إسلامي يهدف إلى تحقيق العدالة بين الزوجين في الثروة المكتسبة خلال الزواج، مع الأخذ في الاعتبار مساهمة المرأة سواء كانت مباشرة في العمل أو غير مباشرة في الأعمال المنزلية. هذا الحق له جذور تاريخية راسخة، ويشهد اليوم تطورات قانونية وفقهية تعكس تغيرات المجتمع، مع استمرار النقاش حول كيفية تطبيقه بشكل متوازن يحفظ الحقوق ويصون العلاقات الأسرية.


الموضوعالتفاصيل
الجذور التاريخيةيعود إلى عهد عمر بن الخطاب، قضية حبيبة بنت زريق
التطبيقات القانونيةجزء من مدونة الأسرة المغربية منذ 2004، مع تعديلات مقترحة في ديسمبر 2024
الجدلشمولية الأعمال المنزلية، دعوات لتطوير الفتوى
التطورات الدوليةدعوة شيخ الأزهر 2022، قرارات الأكاديمية الفقهية الإسلامية الدولية

عن موقع: فاس نيوز