د. الحَسَن بوقسيمي.. جامعة سيدي محمد بن عبد الله/ فاس
تحية خالصة صادقة لبطلنا رجل الوقاية المدنية الرائدة بمملكتنا المغربية، فما حصل لك بجماعة أولاد يوسف، إقليم بني ملال، يوم 11 يوليوز الماضي، من تعدّ سافر ظالم من ذاك المجرم الذي اعتصم فوق خزان الماء لأيام، أقل ما يمكن أن يقال بشأنه: إنك ترجمتَ قيم بلدنا المغرب عمليا وميدانيا؛ إذ ضحّيتَ بكل ما لديك بهدف مدّ يد المعونة الإنسانية الخالدة على رغم تبييت الشخص -المستهدَف بنبل مهنتك وأخلاقك- لقتلك، بل شروعه فيه بكامل قوته الجسدية؛ فحرسك الله تعالى ورعاك ونجاك، هنيئا لنا جميعا بك وبأمثالك.
إن عبارة تكملة أوراش التنمية ببلدنا -التي تتكرر مرارا في خطب عاهلنا حفه الله برعايته- هي الأنسب في مقالي هذا لِما تحمله من معاني الاعتراف بما نُحقّقه لبلدنا من مكتسبات من جهة، ولِما تُحفّزنا إليه من نقد حضاري بنّاء نقترح من خلاله ما يطوّر أداء مؤسساتنا تجاوزا للأخطاء وتنبيها على مواكبة ما جدّ من آليات ومناهج في عالم الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.
هذا مع استحضار هامش ما قد يَخفى على المنظّر المحلّّل النّاقد مما هو من قبيل التخصّص الدقيق لمؤسساتنا التي ننتقدها حضاريا.
وعليه فبعدما تتبعتُ عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة ما حصل لبطلنا رجل الوقاية المدنية عنّت لي تساؤلات وملاحظات هي التالي:
– بحسب بعض التصريحات وإفادة قنواتنا الإخبارية بدأ الاعتصام في 24 يونيو لينتهي يوم 11 يوليوز: كيف استغرقت هذه القضية ثمانية عشر يوما كاد أن يُقتل فيها رجل الوقاية المدنية؟
– فحالةٌ واضحٌ فيها تعدي شخص بجميع المقاييس والاعتبارات، كيفما كانت دواعيها وأسبابها، ما كان ينبغي أن تمر عليها هذه المدة الزمنية، ولو بفرضية أن له قضية ما هو مظلوم فيها، أو أنه مجنون فاقد العقل لا يعرف ما يهرف، أو هي حيلة دبّرها لهدف نفعي ما، وغير هذا من الاحتمالات الممكنة!
– كيف لمؤسسة بالغة الأهمية والحساسية والخطورة أن تترك سلّم خزان الماء يرتاده كل من هب ودب؟ لست متخصصا ولكن يمكن أن أرشدها لمتعدد الحلول حتى لا يستعمل سلم الخزان إلا الموظف المكلف المنتمي للمؤسسة فقط. أليس بهذا الإهمال تفسح المؤسسة المجال لمن يريد أن يسمم -لا قدر الله- الساكنة بواسطة الماء أساس العيش والحياة!؟
– أليس في اجتهاد بعض المسؤولين تهور خَطِر لمّا تركوا المعتصم لأيام ولم يتدخلوا إلا متأخرين؟
– هل الدخول في محاورة المعتصم بالتي هي أحسن، وهذا عين العقل والصواب، يجعلنا نثق فيه ثقة عمياء، نستبعد من خلالها نظرية المؤامرة عنده سواء أكانت بوعي منه أم بحمق مرضه العقلي!؟ هذا مع العلم أن سيرته كما حكى أحد جيرانه مليئة بمعاقبته سجنا مرات متكررة!
– هل سنتأكد من أن المعتصم على خزان الماء مجنون أو مُغرِض بعد أن يتعدى بالقتل على رجل الوقاية المدنية؟
– هل نتعامل مع مجنون أو متحايل أو حتى مظلوم، نحاوره وننتظر استسلامه طواعية، ونجعل تحت إمرة تصرفاته الرعناء ووسائل القتل بحوزته رجل الوقاية المدنية الأعزل؟
– هل نحن ساذجون لهذه الدرجة لمّا نصدر أمرا لرجال الوقاية المدنية الأشاوس بالصعود لسطح الخزان حيث المجرم معتصم وقد رفض عمليا كل أشكال التسوية والوساطة والتراجع عن حماقته، وكلنا يعلم أن رجل الوقاية مثقل بوسائل وآلات الإنقاذ فقط، لا يحمل معه أي آلة أو وسيلة للدفاع عن نفسه حالة تهور الشخص المقصود بالإغاثة!؟
– أليس من سذاجتنا أن نرجح ادعاءه لوعكة أصيب بها فطلب إغاثته كما سمعنا لدى بعض الأخبار، نرجح هذا على ما ثبت لدينا من تهوره وتعديه وعدم رضاه عن أي حل أو تسوية طلية ثمانية عشر يوما؟
– ألهذه الدرجة نحن ساذجون لا نعرف ما يمتلكه المعتصم المجرم من أدوات حادة ووسائل لتنفيذ ما يبيّته من جرائم؟ أليس لدينا آليات الكشف بGPS ومروحيات تحلق فوقه لتصور وضعيته وما لديه؟ أليست “الدرون” الآن في متناول الجميع وتستعمل في تصوير الحفلات داخل القاعات!!، فضلا عن توظيف الشركات لها في الأبحاث والاستطلاعات…
– أليس في إمكانية سلطاتنا الأمنية أن توفر حماية أمنية متخصصة لرجل الوقاية المدنية المتخصص في الإنقاذ والإغاثة فقط؛ إذ ليس هو من ضمن من يحمل السلاح في وظيفته!؟
– أليس في مقدورنا تطوير تأهيل التدخل الإغاثي لرجال الوقاية المدنية بتمكينهم على الأقل من وسائل يخدرون أو يجمدون بها -عن قُرب أو عن بُعد- الأشخاص في حالة هيجان خصوصا وأن قرائن متعددة تدل على أنهم غير أسوياء؟
– أليس في “ذكاء” المجرم المعتوه تحدّ لمؤسساتنا ذات الصلاحية في التدخل الحضاري في هذه النازلة؛ إذ استطاع أن يصل لبغيته من الشروع في قتل المنقذ له وفي محاولة انتحاره والكل موثَّق يتفرج عليه العالم!؟ كأنه أنجز فيلما متكاملا دون أن ينفق عليه درهما واحدا من جيبه!
– أليست هذه الواقعة -التي نجّى الله تعالى فيها بطلنا رجل الوقاية المدنية- مدعاة لتعميق النظر والتخطيط لتأهيل تدخل مؤسسات بلدنا حضاريا، لا من جهة ضبط خطط الوقاية فتتحمل كل مؤسسة حماية منشآتها من عبث العابثين، ولا من جهة رصد التكامل البنّاء بين مختلف مؤسساتنا للتدخل الحاسم الناجح في مثل هذه الوقائع؛ إبقاء لهيبة مؤسسات بلدنا، سواء أُعيدَ النظر في التَّقنين لتمكين رجل الوقاية المدنية من سلاح يدافع به عن نفسه، أم بقيت الحال على ما هي عليه لكن بشرط وجوب مؤازرة تدخله بمن يحمل السلاح قانونيا؟
– متى نرى فرقا متخصصة عالية التدريب تتدخل في وقت وجيز لإنقاذ أرواح الناس ولو أن تكون هذه الروح روح المتعدي المعتصم فوق خزان ماء!
ليست تساؤلاتي هنا تعجيزية، إنما هي لتكملة ورش من أوراش تنميتنا المغربية ممثَّلٍ في تعميق تطوير أداء وقايتنا المدنية ربطا لها بمختلف المتدخلين الذين يجمعهم مشترك إنقاذ أرواح الناس، فالتنسيق المحكم بين المؤسسات ما يزال يحتاج لمزيد جِد واجتهاد؛ تفعيلا حقيقيا لوحدتنا الترابية الخالدة.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر