صيحة استغاثة من أعالي الجبال.. العطش يحاصر دواوير تازة وتاونات والساكنة في “رحلة يومية” للبحث عن قطرة ماء

تازة/تاونات – تحقيق إنساني
بعيداً عن صخب المدن وحركتها الصيفية، وفي أعماق جبال الأطلس المتوسط والريف بإقليمي تازة وتاونات، تدور فصول مأساة صامتة بطلها “العطش”. فمع توالي سنوات الجفاف وتراجع منسوب الفرشة المائية إلى مستويات غير مسبوقة، تحولت حياة آلاف الأسر في عشرات الدواوير إلى رحلة يومية شاقة ومضنية من أجل الحصول على أبسط حقوق الحياة: الماء الصالح للشرب.
فقد جفت العيون والآبار التي كانت تشكل تاريخياً مصدر الحياة لهذه المجتمعات القروية، ولم يعد أمام الساكنة، خاصة النساء والأطفال، سوى قطع كيلومترات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، حاملين قنينات ودلاء، للوصول إلى نقطة ماء نادرة أو انتظار وصول صهريج قد يأتي أو لا يأتي.
معاناة يومية و”اقتصاد الماء”
يقول محمد، فلاح من إحدى الدواوير المتضررة بإقليم تاونات: “لقد ورثنا هذه الأرض عن أجدادنا، ولم نعهد جفافاً كهذا. العين التي كانت تسقي القرية بأكملها أصبحت مجرد صخور جافة. اليوم، نقضي نصف نهارنا في البحث عن الماء، والنصف الآخر في القلق على ما تبقى من ماشيتنا وزراعاتنا”.
هذه الندرة خلقت “اقتصاداً” موازياً ومؤلماً، حيث أصبح الماء يُشترى بأثمنة باهظة من أصحاب الصهاريج الخاصة، مما يضيف عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل أسر تعيش أساساً على الفلاحة المعيشية وتربية الماشية.
الزراعات الصيفية تحتضر والماشية في خطر
الأزمة لا تقتصر على مياه الشرب فقط، بل تمتد لتضرب في الصميم المصدر الوحيد لعيش هذه الساكنة. فالزراعات الصيفية القليلة، من خضروات وقطاني، التي كانت توفر قوت يومهم، تحتضر الآن أمام أعينهم بسبب غياب مياه السقي. كما أن الماشية، التي تعتبر رأسمال كل أسرة، أصبحت هزيلة ومهددة بالنفوق بسبب العطش وقلة الكلأ.
وأمام هذا الوضع الكارثي، يوجه سكان هذه المناطق نداء استغاثة عاجل إلى السلطات الإقليمية والجهوية ووزارة التجهيز والماء. فهم يطالبون بتدابير استعجالية ومستدامة، لا تقتصر فقط على توفير الصهاريج بشكل منتظم، بل تشمل البحث عن حلول جذرية كحفر آبار عميقة، وبناء سدود تلية، وتفعيل برامج حقيقية لمواجهة آثار الجفاف الذي لم يعد ظاهرة استثنائية، بل واقعاً مريراً يهدد بتفريغ هذه القرى من سكانها وتدمير نسيجها الاجتماعي والاقتصادي.

عن موقع: فاس نيوز