لا يخفى على المتتبعين للشأن الوطني أن المؤسسة الأمنية المغربية باتت في صلب حملات متكررة وممنهجة تستهدفها ورموزها القيادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت تواصل فيه الدولة تعزيز منظومتها الأمنية لمواجهة تحديات متشابكة: من الجريمة المنظمة والإرهاب، إلى الاختراقات الخارجية والتحديات الإقليمية.
وفي ظل بيئة إقليمية معقدة ومضطربة، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالأمنية، تبرز المؤسسة الأمنية المغربية كأحد أعمدة الاستقرار الداخلي وضمانة لحماية السيادة الوطنية.
استهداف ممنهج في مواجهة الإنجازات
كلما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك شبكة إجرامية أو إحباط مخطط إرهابي، تتكثف محاولات التشويش الرقمي والإعلامي عبر نشر معلومات مغلوطة وشائعات تمس بمصداقيتها. هذه الحملات، التي تستثمر الطفرة الرقمية وتنامي تأثير المنصات الاجتماعية، لا تأتي اعتباطاً، بل تعكس تداخلاً معقداً بين مصالح شبكات إجرامية دولية وجهات سياسية وإعلامية معادية للمغرب.
الهدف واضح: النيل من صورة الأمن الوطني وتقويض الثقة بين المواطن ومؤسساته. وهو ما يجعل هذه الحملات جزءاً من صراع على الشرعية والسيادة، وليس مجرد تعبير عن الرأي أو نقد مشروع.
إصلاحات تقلق أصحاب الامتيازات
منذ سنوات، يقود عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، مساراً إصلاحياً داخلياً يقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد. هذه الإصلاحات أزعجت أطرافاً كانت تستفيد من ثغرات سابقة، فوجدت في الحملات الإعلامية المضادة وسيلة للانتقام والتشويش.
ولعل ما يزيد من خطورة هذه الحملات أنها تتقاطع في توقيتها وخطابها مع مواقف بعض وسائل الإعلام ودول الجوار، ما يعزز فرضية وجود تنسيق غير معلن لتحويل المؤسسة الأمنية إلى هدف لحرب ناعمة تتجاوز مجرد الانتقاد إلى محاولة تقويض ركيزة أساسية من ركائز الدولة.
التحدي الرقمي وبناء المناعة الإعلامية
تزايدت أهمية “المناعة الرقمية” باعتبارها خط الدفاع الأول ضد حملات التشويه، إذ أصبح من الضروري التمييز بين النقد الموضوعي والإشاعة المغرضة. فالحرب لم تعد تقتصر على المواجهات الميدانية، بل امتدت إلى “الاغتيال المعنوي” للمسؤولين وإضعاف ثقة المجتمع في مؤسساته.
وعليه، فإن صلابة الجبهة الداخلية، عبر وعي المواطنين وتضامنهم مع مؤسسات الدولة، تعدّ سلاحاً أساسياً لمواجهة الضغوط الخارجية والهجمات المنظمة التي تحاول اختراق النسيج الوطني.
تهديدات هجينة في بيئة معقدة
تقرير حديث لمعهد “روك” للدراسات الأمنية أشار إلى أن الأجهزة الأمنية المغربية تعمل في بيئة لم تعد فيها التهديدات أحادية البعد، بل هجينة ومتشابكة، تجمع بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والإعلامية والسيبرانية.
وقد شهد المغرب خلال العقد الأخير تصاعداً في الهجمات الإلكترونية، من برامج الفدية واستهداف الأنظمة المالية، إلى اختراق البيانات الإستراتيجية لمشاريع البنية التحتية. وهو ما استدعى استجابات قانونية عاجلة، أبرزها القانون 05-20 المتعلق بأمن نظم المعلومات، لتأمين البنى التحتية الحيوية.
قدرات أمنية متطورة
رغم تعقّد التهديدات، أثبتت التجربة المغربية قدرة استثنائية على التكيّف. فقد تمكنت الأجهزة من مواجهة جرائم متطورة، كغسل الأموال عبر العملات المشفرة، والاتجار بالبشر عبر المنصات المشفرة، وتزوير الوثائق الرقمية. هذه النجاحات تعكس فعالية الاستراتيجية الأمنية الوطنية ومرونتها أمام التحديات المستجدة، رغم ما تتعرض له من حملات تشويه إعلامي منسقة.
بورتريه: حموشي… رجل الظل والواجهة
وسط هذه التحديات، يظل اسم عبد اللطيف حموشي مقترناً بصلابة المؤسسة الأمنية المغربية. فمنذ التحاقه بجهاز المخابرات الداخلية في مطلع التسعينيات، أثبت كفاءة عالية في تتبع الحركات المتطرفة وتحليل شبكاتها. وبفضل هذا المسار، تقلد منصب مدير “الديستي” سنة 2005، ثم منصب المدير العام للأمن الوطني سنة 2015، ليجمع بين مسؤوليتين ثقيلتين قلّ نظيرهما.
عرف عن الرجل هدوؤه، عمله الدؤوب، وإصراره على الإصلاح المؤسسي. يصفه مقربون بأنه قليل الكلام كثير الفعل، يرفض الأضواء ويفضّل النتائج الملموسة على الخطابات. وقد قاد سلسلة إصلاحات عميقة أعادت هيكلة الأجهزة الأمنية، وحدثت أسطولها اللوجستيكي، وأدخلت معايير جديدة في التوظيف والترقيات، ما جعل المؤسسة أكثر شفافية وفعالية.
بفضل هذا النهج، أصبح “رجل الظل” واجهة لنجاح المغرب في تحصين أمنه الداخلي، ونموذجاً للإدارة الأمنية التي تجمع بين الانضباط الصارم والحس الاستراتيجي.
المؤسسة الأمنية المغربية ليست بمعزل عن التحديات والإخفاقات الطبيعية التي تواجهها كل دولة، لكنها تظل خط الدفاع الأول عن الوطن في مواجهة تهديدات متشابكة. أما الحملات الموجهة ضدها، فهي انعكاس لصراع أكبر على الشرعية والسيادة، ومحاولة لضرب الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
وفي النهاية، يظل الرهان على وعي المواطن المغربي، الذي يدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، وأن التشكيك الممنهج في الأمن الوطني ليس ممارسة ديمقراطية بريئة، بل فعل خطير يحمل في طياته رهانات إقليمية ودولية تمس مباشرة استقرار المملكة وسيادتها
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر