“ما لا يُقال عن العلاقات المغربية الفرنسية”.. الرباط وباريس تكتبان فصلاً جديداً في الشراكة الاستراتيجية

دخلت العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، بعد الزيارة الرسمية التي قادت رئيس الوزراء الفرنسي إلى الرباط رفقة وفد وزاري غير مسبوق، في خطوة حملت رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، وتعكس إرادة البلدين في الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى جديد من التعاون والثقة المتبادلة.

ليست كل الصور التي تُلتقط في القاعات الرسمية تروي حقيقة ما يجري خلف الكواليس، ففي العلاقات الدولية هناك رسائل تُقرأ بعدد الوزراء، وأخرى تُقاس بحجم الاتفاقيات، وثالثة تُترجم بالمواقف السياسية التي لا تقبل التأويل.

هذا بالضبط ما حدث في الرباط.

فبعيداً عن البروتوكول المعتاد للزيارات الحكومية، استقبل المغرب وفداً فرنسياً غير مسبوق في حجمه، ضم رئيس الوزراء الفرنسي وأكثر من عشرين وزيراً، في مشهد نادر في الدبلوماسية الفرنسية، عكس بوضوح أن باريس لم تأتِ لإدارة ملفات عادية، بل لتأكيد أن علاقتها مع المملكة دخلت مرحلة استراتيجية جديدة.

وفي قاعة واحدة، اجتمع 22 وزيراً من البلدين، وجرى توقيع خمس عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، فيما تجاوزت قيمة المشاريع والاستثمارات المعلنة عشرة مليارات يورو. ولم تكن هذه الأرقام مجرد مؤشرات اقتصادية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية تؤكد أن فرنسا تراهن على المغرب باعتباره شريكاً استراتيجياً رئيسياً في إفريقيا والضفة الجنوبية للمتوسط.

لكن ما لا يُقال في هذه الزيارة أهم بكثير مما أُعلن خلالها.

فالزيارة جاءت في توقيت بالغ الدقة، تمهيداً للزيارة المرتقبة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا خلال الخريف المقبل، وهي زيارة يُنتظر أن تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، وأن تمنح زخماً سياسياً واستراتيجياً غير مسبوق للشراكة المغربية الفرنسية.

كما تأتي هذه الدينامية في سياق يكتسي أهمية خاصة بعد القرار التاريخي لفرنسا بدعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب سنة 2007، الأساس الجدي والواقعي والوحيد للتوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع الإقليمي. ومنذ إعلان هذا الموقف، واصلت باريس التأكيد عليه في مختلف المحطات السياسية والدبلوماسية، وهو ما اعتُبر تحولاً بارزاً في مقاربة فرنسا لهذا الملف ورسالة واضحة بأن الشراكة مع المغرب تقوم أيضاً على وضوح المواقف والثقة المتبادلة.

لقد أدركت فرنسا، كما أدركت قوى دولية عديدة، أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي يُنظر إليه من زاوية الجغرافيا فقط، بل أصبح قوة إقليمية صاعدة، يقود مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الصناعة والطاقات المتجددة والبنية التحتية والأمن الغذائي، فضلاً عن حضوره المؤثر في إفريقيا ودوره المحوري في استقرار منطقة الساحل والفضاء الأورو-متوسطي.

وتحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نجحت الدبلوماسية المغربية في إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية على أساس الاحترام المتبادل والدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وهو ما جعل عدداً من كبريات العواصم، وفي مقدمتها باريس، تعيد تموقعها تجاه المغرب باعتباره شريكاً لا غنى عنه في الملفات الإقليمية والدولية.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذه الدينامية تأتي أيضاً في مرحلة سياسية دقيقة تعيشها فرنسا، حيث يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى ترسيخ توجه استراتيجي جديد في علاقات بلاده مع شركائها الرئيسيين، ويبدو أن الشراكة مع المغرب تحتل موقعاً متقدماً ضمن هذا التوجه، بالنظر إلى الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الذي أصبحت تمثله المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.

اليوم، لم يعد الحديث عن العلاقات المغربية الفرنسية مجرد استحضار لإرث تاريخي طويل، بل عن شراكة يعاد بناؤها على أسس جديدة، عنوانها المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والثقة السياسية، والرهان على المستقبل.

وإذا كانت الاتفاقيات الموقعة في الرباط قد فتحت الباب أمام مرحلة اقتصادية واعدة، فإن الزيارة المرتقبة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى باريس تبدو مرشحة لأن تكون محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ويؤكد مرة أخرى أن المغرب، بقيادته الرشيدة، أصبح رقماً مؤثراً في المعادلات الدولية وشريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الفضاء الأورو-متوسطي والإفريقي.

المصدر : فاس نيوز ميديا