في خضم الأحداث المأساوية التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة، ارتفعت أصوات داخل المغرب وخارجه تتساءل عن سبب غياب بيان رسمي مغربي بشأن ما وقع. وبين من اعتبر ذلك “صمتاً غير مبرر”، ومن رأى فيه “غياباً للموقف”، يبرز تفسير آخر لا يقل وجاهة: ربما اختارت الدولة أن تجعل الدبلوماسية تسبق الخطابة.
التجارب الدولية تثبت أن الدول لا تقيس مواقفها بعدد البلاغات، وإنما بنتائج سياساتها. ففي الأزمات الحساسة، قد يكون البيان المتسرع سبباً في تعقيد الأزمة بدل احتوائها، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات شديدة الحساسية مثل الهجرة والعلاقات الثنائية والسيادة.
ومن الناحية السياسية، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، يعتبر سبتة ومليلية مدينتين محتلتين ويؤكد هذا الموقف في أدبياته السياسية، ومن جهة أخرى تجمعه بإسبانيا اليوم شراكة استراتيجية في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد ومحاربة الإرهاب، وهي شراكة أشادت بها مدريد نفسها خلال الأزمة الأخيرة.
ولو صدر بيان رسمي قوي يركز على مغربية سبتة ويحتج على الزيارات الرسمية الإسبانية إليها، فمن المرجح أن يتحول النقاش من مأساة إنسانية إلى أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين، وهو ما قد يمنح بعض الأطراف داخل أوروبا فرصة لتأجيج الخلاف بدل المساهمة في احتواء الوضع.
وفي المقابل، لو جاء البيان مقتصراً على الجوانب الإنسانية دون التطرق إلى الوضع القانوني للمدينة، فقد يفتح الباب أمام تأويلات داخلية تعتبر أن المغرب تجاهل أحد ثوابته الوطنية.
لذلك، قد يكون خيار التريث وعدم إصدار موقف متسرع تعبيراً عن اعتماد دبلوماسية هادئة، تقوم على إدارة الأزمة بعيداً عن الانفعال الإعلامي، وانتظار اكتمال المعطيات قبل اتخاذ أي موقف رسمي.
ولا ينبغي إغفال أن الأولوية خلال الأيام الماضية كانت ميدانية بالأساس؛ فقد عاد عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المغرب خلال فترة وجيزة، بينما أكدت السلطات الإسبانية أن التعاون مع المغرب كان عاملاً رئيسياً في احتواء الأزمة ووقف تدفقات العبور غير النظامي.
إن السياسة ليست دائماً فن الكلام، بل هي في كثير من الأحيان فن اختيار التوقيت المناسب للكلام. وقد أثبتت تجارب دبلوماسية عديدة أن البيانات التي تصدر تحت ضغط الرأي العام لا تكون بالضرورة الأكثر تأثيراً، بينما قد يحقق العمل الهادئ خلف الكواليس نتائج أكبر بكثير من أي خطاب إعلامي.
في النهاية، يبقى من حق المواطنين المطالبة بالتوضيح، كما يبقى من حق الدولة اختيار الأسلوب الذي تراه أكثر انسجاماً مع مصالحها العليا. وحتى يصدر أي موقف رسمي، سيظل الصمت موضوعاً للنقاش، لكنه قد يكون أيضاً، في نظر كثيرين، أداة دبلوماسية هدفها احتواء الأزمة لا تجاهلها.
المصدر: فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر