فضيحة السردين بـ5 دراهم واللحم بـ50 درهم: تحقيق فاس نيوز يكشف التلاعب الكبير بأسعار السوق!

في تحقيق مطول أجرته “فاس نيوز”، برز جدل واسع في الأوساط التجارية والاجتماعية بالمغرب بعد انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر أحد الباعة يعرض السردين بسعر خمسة دراهم فقط للكيلوغرام. هذه اللقطة، التي أثارت تساؤلات عديدة حول الأسعار الحقيقية للأسماك واللحوم في الأسواق المغربية، دفعت “فاس نيوز” إلى الغوص في تفاصيل هذا الموضوع لكشف الحقيقة الكاملة وراء هذه الادعاءات.

بدأت القصة عندما ظهر الشاب المراكشي، عبد الإله، في فيديو على تطبيق “تيك توك”، يعرض السردين بسعر غير مسبوق في السوق المغربية. ومع انتشار الفيديو كالنار في الهشيم، انقسمت الآراء بين من يرى فيه بطلًا كشف “خدعة الأسعار” ومن يعتقد أنه يسعى للشهرة وجذب المشاهدات على حساب الحقيقة. لتحقيق المزيد من المصداقية، تواصلت “فاس نيوز” مع مجموعة من المهنيين والخبراء في قطاع الصيد البحري والتجارة، كما قامت بجولات ميدانية في عدد من الأسواق للتحقق من صحة الادعاءات.

رحلة السردين من البحر إلى المستهلك:

بحسب الكاتب العام للجامعة الوطنية للصيد البحري، فإن سمك السردين يُعتبر من الأسماك الصناعية التي تُوجه غالبًا إلى معامل التصنيع والتصدير، حيث تُنتج منها العديد من المشتقات مثل المعلبات وزيت السمك. ووفقًا لاتفاقية مهنية بين أرباب الصناعات السمكية والصيادين، فإن السعر المرجعي للكيلوغرام الواحد من السردين كان حتى عام 2024 يُحدد بـ3.80 دراهم في الأقاليم الجنوبية الممتدة من أكادير إلى الداخلة. لكن في العام الماضي، ارتفع هذا السعر إلى 3.50 دراهم، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.

في أسواق البيع الأول، المعروفة بـ”الهالو” أو “المرصة”، يُباع السردين بثلاثة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف. لكن بعد إضافة مصاريف النقل والتبريد للحفاظ على جودته، يرتفع السعر في أسواق الجملة إلى حوالي 7 دراهم. عند هذه المرحلة، يُتوقع أن يُباع السردين لتجار التقسيط بثمانية دراهم، مما يعني أن السعر النهائي للمستهلك لا يجب أن يتجاوز 10 دراهم للكيلوغرام.

تفاوت الأسعار بين الشمال والجنوب:

أما بالنسبة للأسواق الشمالية، فإن الأسعار تُحدد بطريقة مختلفة تعتمد على “الدلالة”، وهي نظام مزاد علني يُحدد فيه السعر بناءً على العرض والطلب. يوضح حمزة الثومي، الكاتب العام للكونفيدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن هذا النظام يؤدي في كثير من الأحيان إلى تضخم الأسعار بسبب المضاربة ووجود عدد كبير من الوسطاء. في هذا السياق، يُباع الصندوق الواحد من السردين بمبالغ قد تصل إلى 200 درهم، أي حوالي 8 دراهم للكيلوغرام، مما يرفع السعر بشكل كبير في مراحل البيع اللاحقة.

لكن المشكلة الأكبر، وفقًا للمهنيين الذين تحدثت إليهم “فاس نيوز”، هي أن السردين يمر عبر سلسلة طويلة من الوسطاء قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي. بين الصياد والبائع بالتقسيط، يتدخل وكلاء وتجار سمك ونواب عنهم، مما يزيد من سعر السردين بشكل كبير. هذا التعقيد في سلسلة التوزيع يؤدي إلى بيع السردين للمستهلك بسعر يتجاوز في بعض الأحيان 15 إلى 20 درهمًا للكيلوغرام.

اتهامات بالاحتكار والتهرب الضريبي:

أحد أخطر الاتهامات التي كشفتها “فاس نيوز” هو التهرب الضريبي الذي يُمارسه بعض البائعين بالدلالة. حيث يُسجل السمك في الدفاتر الرسمية بأسعار منخفضة لا تعكس الواقع الفعلي، مما يُمكن بعض الأطراف من التهرب من دفع الضرائب المستحقة على الأرباح الحقيقية. يُشير بعض المهنيين إلى أن هؤلاء البائعين يُسجلون السردين بأسعار تتراوح بين 2 إلى 3 دراهم، بينما يُباع بالفعل بأضعاف هذا السعر، وهو ما يفسر الارتفاع الكبير الذي يُصادفه التجار عند الشراء من الميناء.

هل باع عبد الإله السردين بالخسارة؟

على الرغم من كل هذه التعقيدات، يُجمع عدد من الخبراء الذين تحدثوا إلى “فاس نيوز” على أن البيع بسعر خمسة دراهم للكيلوغرام قد يُعد بيعًا بالخسارة. وفقًا للقوانين التجارية في المغرب، يُعتبر البيع بالخسارة ممارسة غير قانونية تهدف في بعض الأحيان إلى إقصاء المنافسين من السوق. بعض التجار الذين رفضوا الكشف عن أسمائهم، أشاروا إلى أن عبد الإله ربما استخدم هذه الاستراتيجية لجذب الانتباه وتحقيق مشاهدات عالية على “تيك توك”، مما قد يفتح له أبوابًا لعروض إعلانية وهدايا من الشركات.

تداعيات البيع بالخسارة على السوق:

البيع بأسعار غير واقعية يُمكن أن يُحدث حالة من الفوضى في الأسواق، إذ يدفع المستهلكين إلى الاعتقاد بأنهم يتعرضون للاستغلال من قبل التجار الآخرين. كما يُضعف هذا السلوك الثقة بين البائع والمشتري، ويُشجع على خلق سوق موازية تعمل خارج الأطر القانونية. يرى الخبراء أن هذا الوضع يتطلب تدخلاً عاجلًا من الجهات الحكومية لضبط الأسعار وتطبيق القوانين التي تُنظم السوق.

الحلول المقترحة:

قدمت الكونفيدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة عددًا من الحلول لضبط أسعار السردين، منها تعميم الصناديق البلاستيكية الموحدة التي تحافظ على جودة الأسماك وتُحدد كميات الصيد المسموح بها لكل بحار. كما دعت إلى تعديل قانون 1408 المتعلق ببيع السمك بالجملة، وإنشاء سجل وطني لتجار السمك يُحدد هوية الأشخاص المسموح لهم بالولوج إلى أسواق الجملة، مما يُساعد على الحد من ظاهرة المضاربين والمحتكرين.

خاتمة التحقيق:

التحقيق الذي أجرته “فاس نيوز” يكشف عن واقع معقد يحيط بسعر السردين في الأسواق المغربية. بين ادعاءات عبد الإله وواقع الأسعار، تظهر فجوة كبيرة تستدعي من السلطات المختصة اتخاذ إجراءات صارمة لضبط الأسواق ومنع التلاعب بالأسعار. كما يُظهر التحقيق الحاجة إلى تعزيز الرقابة على أسواق الجملة وأسواق البيع الأول، وتطبيق القوانين بصرامة لضمان الشفافية وحماية المستهلكين من الاستغلال.

تابعوا “فاس نيوز” للمزيد من التفاصيل والمستجدات حول هذا الموضوع وغيره من القضايا التي تهم المواطن المغربي.

عن موقع: فاس نيوز