من سلسلة : “فاس : ملاحم الروح والدم في سجل الخلود”

في حلقتنا الأولى، “فاس عاصمة الرفض: جذور الصمود قبل العاصفة”، استعرضنا كيف كانت فاس على مر العصور قلعة للوطنية، وكيف تشكلت روح الصمود في نسيجها الاجتماعي والثقافي، وكيف كانت بوادر الرفض للتدخل الأجنبي تتنامى بين أهلها قبل أن تفرض القوى الاستعمارية كلمتها. اليوم، نغوص في قلب الحدث، في تلك الأيام العصيبة من أبريل 1912، حين تحولت فاس إلى ساحة للبطولة والفداء، وحين امتزجت تضحيات أبنائها بتراب الوطن دفاعاً عن حريته وكرامته.
طعنة في قلب السيادة : معاهدة الحماية المشؤومة

في الثلاثين من مارس عام 1912، وقعت المغرب تحت وطأة معاهدة الحماية الفرنسية، كان هذا اليوم بمثابة طعنة نجلاء في قلب السيادة المغربية، ولحظة فارقة أعلنت عن بداية فصل مظلم من تاريخ البلاد، وفي فاس، العاصمة العلمية والروحية، ومركز القرار السياسي آنذاك، استُقبل نبأ المعاهدة بمزيج من الصدمة والغضب العارم والشعور بالمهانة الوطنية. لقد أحس الفاسيون، بكل فئاتهم، أن كرامتهم قد أُهدرت وأن مقدساتهم باتت في خطر، وأن بلادهم التي طالما كانت مستقلة أبية، قد أصبحت لقمة سائغة في فم المستعمر. لم يكن الصمت خياراً لمدينة علّمت الأجيال معنى الإباء والشموخ.
فاس تنتفض: بركان الغضب المقدس ينفجر

لم يكد يمضي شهر على توقيع المعاهدة المشؤومة، حتى انفجر بركان الغضب الفاسي في وجه المحتل، ففي السابع عشر من أبريل 1912، اندلعت الانتفاضة الشعبية العارمة، المعروفة في السجلات التاريخية بـ “أيام فاس الدامية”، لم تكن مجرد رد فعل عفوي، بل كانت صرخة مدوية ضد الظلم والقهر، وتجسيداً لرفض الفاسيين القاطع للاستعمار.
بدأت الشرارة الأولى من بعض الجنود المغاربة (العساكر) الذين رفضوا الأوامر الجديدة والإهانات المتكررة من ضباطهم الفرنسيين، وسرعان ما التحمت بهم جماهير الشعب الفاسي، خرج الحرفيون من دكاكينهم، والتجار من أسواقهم، والعلماء والطلبة من مساجدهم ومدارسهم، وعامة الناس من بيوتهم، ليشكلوا جبهة واحدة متراصة، لم يكن لديهم من السلاح إلا القليل، ومن العتاد إلا ما تيسر، لكنهم كانوا يملكون سلاحاً أقوى : الإيمان بعدالة قضيتهم، والعزيمة على الدفاع عن وطنهم حتى آخر رمق، واجهوا بصدور عارية وقلوب مؤمنة قوة عسكرية منظمة ومتفوقة، فكانت ملاحم من الشجاعة والبسالة تُسطر في كل درب وزقاق.
لقد حاولت الروايات الاستعمارية تصوير هذه الانتفاضة على أنها أعمال شغب وفوضى ارتكبها “همج” و”متعصبون”، لكن الحقيقة التي يسجلها التاريخ الوطني هي أن ما حدث كان مقاومة شعبية باسلة، ودفاعاً مشروعاً عن النفس والأرض والعرض. كان الفاسيون يدافعون عن حقهم في الوجود كأمة حرة مستقلة.
ملاحم من البطولة، وأنهار من الدماء

تحولت أزقة فاس العتيقة، وساحاتها كباب بوجلود والطالعة، ومحيط ثكنة الشراردة، إلى ميادين للمواجهة. سطّر الفاسيون، رجالاً ونساءً، أروع صور التضحية. هناك، سقط الشهيد تلو الشهيد، ورويت أرض فاس الطاهرة بدماء أبنائها الزكية. واجه المقاومون بشجاعة نادرة نيران المستعمر وقنابله، وقاوموا ببسالة محاولات اقتحام الأحياء والبيوت.
لكن القوة الغاشمة للمستعمر كانت تتفوق عدداً وعدة. ردت القوات الفرنسية بوحشية وقسوة لا توصف، فأطلقت النار عشوائياً على المتظاهرين، وقصفت الأحياء السكنية، ونكلت بالأسرى، لقد أراد المستعمر أن يجعل من فاس عبرة لكل من تسول له نفسه مقاومة الاحتلال، فارتكب المجازر وأشاع الدمار. كانت أنهار من الدماء تسيل في شوارع المدينة، شاهدة على حجم التضحية وعمق المأساة.
ثمن الحرية : شهداء وجراح ودمار

كانت فاتورة المقاومة باهظة جداً. سقط المئات من الشهداء الفاسيين، وجُرح الآلاف، واعتقل الكثيرون. لم تسلم المدينة من الدمار، فقد أُحرقت البيوت ونُهبت الممتلكات، لكن رغم كل هذه الآلام والجراح، ورغم وحشية القمع، لم تنكسر إرادة الفاسيين ولم تخمد جذوة المقاومة في صدورهم، لقد أثبتوا للعالم أن حب الأوطان لا يقدر بثمن، وأن الحرية تستحق أن يُبذل من أجلها الغالي والنفيس.
كانت دماء شهداء أبريل 1912 هي الوقود الذي غذى شعلة المقاومة في فاس وفي كل ربوع المغرب لسنوات طويلة تالية، لقد أدرك المستعمر أن احتلال الأرض قد يكون ممكناً، أما احتلال القلوب والعقول فذلك أمر مستحيل أمام شعب كالشعب المغربي الأبي.
رسالة الحلقة : “بالروح بالدم نفديك يا وطن”

تُجسد أحداث أبريل 1912 في فاس أصدق تعبير عن الشعار الخالد “بالروح بالدم نفديك يا وطن”، لقد قدم أهل فاس أرواحهم ودماءهم فداءً لوطنهم، وضربوا أروع الأمثلة في التضحية والشهامة، إن ذكراهم ستبقى خالدة في سجل الشرف الوطني، وقصص بطولاتهم ستظل مصدر إلهام لا ينضب للأجيال القادمة.
في الحلقة القادمة بإذن الله : سنتوقف عند بعض الوجوه المشرقة من المقاومة الفاسية، ونحاول تسليط الضوء على دور مختلف فئات المجتمع الفاسي في هذه الملحمة الخالدة. فكونوا في الموعد مع “فاس نيوز”.
المصدر : فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر