في زنقة ضيقة بقلب فاس القديمة، حيث تعانق رائحة الخشب المعطر بزيت الورود أصوات المطارق النحاسية، جلس “عبد الله” صانع الفخار التقليدي أمام هاتفه القديم. بين يديه صورة لبطاقة “الصانع” التي حلم بها سنوات – تلك البطاقة التي كانت ستجعله مثل أي موظف في المغرب: يحمل “أمو تضامن” ويستفيد من التغطية الصحية. لكن الأرقام الرسمية التي ظهرت على شاشته حولت حلمه إلى كابوس.
الحلم الذي تحول إلى سراب
“قالوا لنا: سجلوا في السجل الوطني للصناعة التقليدية”، همس عبد الله بصوت مبحوح وهو يقلب في ذاكرته سنوات من الوعود. “وزير في التلفزيون يقول: 2.7 مليون صانع وصانعة في المغرب.. هادشي كيخليني فخر! لكن لما مشيت للغرفة، لقيت الباب مسدود”.
في تلك الغرفة، كان المفترض أن يجد إجابات. بدلاً من ذلك، وجد سؤالاً محرجاً: “شحال اللي تسجل لحد الآن؟”. الإجابة جاءت كالصاعقة: 421 ألف مسجل فقط. أي أن 2.3 مليون صانع مثل عبد الله، لا وجود لهم في السجلات الرسمية.
ثلاثة جدران تحطمت عليها آمال الصناع
بينما كانت الوزارة الوصية تتباهى بـ”ملايين الدراهم” التي صُرفت على حملات التسجيل، كان عبد الله ورفاقه يواجهون واقعاً مريراً:
- جدار الصمت:
“حتى جارتي اللي تسوق الزرابي، ما عرفتش بلي السجل موجود! الحملات ديالهم وصلت للفنادق والمعارض، ماعادش لينا فالزنقات”. - جدار الورق:
“طلبوا مني شهادة الميلاد، بطاقة التعريف، إثبات السكن، تصريح بالشغل، وثيقة من الغرفة… كل هادشي والراجل عندو دكان صغير فالدرب!”. - جدار الإهمال:
“مشيت تلاتة دالمرات للغرفة. أول مرة لقيتها مقفولة. تانية، قالولي: جيب ليك شوية حرير. تالتة، هزوا عليا كتير: سير وجي حتى من بعد”.
لغز الملايين الضائعة
هنا، توقفت أصوات المطارق في ذهن عبد الله. استبدلها صوت سؤال يرن في أذنيه: “فين مشات الملايين ديال الدراهم؟”.
- الميزانية كانت كافية لفتح 100 مكتب تسجيل متنقل.
- الأموال كانت كفية بطباعة 2.7 مليون بطاقة صانع.
- حتى جزء بسيط منها كان ينقذ عائلات من ديون العلاج.
لكن الأرقام تقول شيئاً آخر:
“421 ألف مسجل = 16% فقط من الهدف”.
“الملايين صُرفت = 0% تأثير على حياة الصناع”.
صرخة في وجه النظام
في ذلك المساء، كتب عبد الله تدوينة على صفحته لم تكن مجرد شكوى، بل كانت وثيقة اتهام:
“يا مسؤولين اللي كتعيشو في المكاتب الفخمة، هل تعرفون أن الصانع كيموت من البرد فالدكان؟ هل تعرفون أن الملايين اللي صرفتوها على الحملات، كانت كتدي الدواء لمرضانا؟ هادشي مشي كلام صحافة.. هادشي دمي اللي كيهدر!”.
ما وراء الأرقام: إنسانية منسية
وراء كل رقم في تقرير الوزارة، هناك قصة:
- فاطمة (ناسجة حرير): “بغيت نعالج رجلي اللي كيوجعني من سنين، ولكن بدون بطاقة الصانع، مستشفى عمومي ما قبلتش”.
- رشيد (نجار): “ولدي بغا يدي المدرسة، ولكن ما قدرتش ندير ليه التسجيل لأن ما عنديش وثيقة تثبت أني صانع!”.
السؤال الذي يطاردهم جميعاً
اليوم، تحولت تدوينة عبد الله إلى شعار يرفعه آلاف الصناع: #فينمشاتالملايين. لكن السؤال الأكبر يبقى بلا إجابة:
“شكون المسؤول على هاد الفشل؟ الوزارة؟ الغرف؟ الموظفين؟ ولا كلنا؟”.
في فاس، ما زالت أصوات المطارق تقرع، لكنها لم تعد تصنع أوانٍ فخارية فقط.. بل تصنع ثورة صامتة تطالب بالكرامة والمحاسبة.
عن تدوينة لصديق الجريدة ‘م العايدي’ الصانع التقليدي بفاس معلم البرشمان (بتصرف)
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر