مع كل صيف، ومع تجاوز مؤشر الحرارة عتبة الأربعين، تبدو فاس وكأنها تستسلم لشمسها الحارقة. تخلو الشوارع في الظهيرة، وتغلق بعض المحلات أبوابها، وتهدأ الحركة في أزقة المدينة العتيقة التي كانت قبل أسابيع قليلة تعج بالحياة. تتحول العاصمة الروحية للمملكة، شئنا أم أبينا، إلى ما يشبه “مدينة أشباح” مؤقتة، في مفارقة صارخة مع تاريخها وحيويتها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: هل قدرُ فاس أن تبقى مدينة موسمية، جاذبة للسياح فقط في فصلي الربيع والخريف المعتدلين؟ ألا نملك من الإمكانيات والمقومات ما يمكننا من تحويل تحدي “الحرارة” إلى فرصة سياحية واقتصادية فريدة من نوعها؟
إن الاستسلام لمنطق أن “فاس حارة في الصيف” هو هزيمة للتفكير الإبداعي. فمدن عالمية أكثر حرارة ورطوبة، مثل دبي أو مراكش أو إشبيلية، نجحت في خلق منتجات سياحية صيفية ناجحة، بل وجعلت من هذا الطقس جزءاً من هويتها. والمفتاح ليس في محاربة الشمس، بل في التأقلم معها وتسويق أسلوب حياة يتناغم معها.
كيف نحول التحدي إلى فرصة؟
الأمر يتطلب رؤية متكاملة تتضافر فيها جهود المجلس الجماعي، والمجلس الجهوي للسياحة، والمستثمرين، وأهل المدينة أنفسهم. وهذه بعض الأفكار العملية:
إعادة إحياء “ليالي فاس”: يجب أن يتحول النشاط السياحي والاقتصادي بشكل شبه كامل إلى الفترة المسائية والليلية. لا نتحدث هنا فقط عن المطاعم والمقاهي، بل عن خلق تجربة متكاملة:
أسواق ليلية في المدينة العتيقة: تفتح أبوابها من السادسة مساءً حتى الساعات الأولى من الصباح، مع إضاءة فنية تبرز جماليات الأزقة والأسوار.
حفلات موسيقية روحية وأندلسية في الساحات التاريخية والرياضات الكبرى (البطحاء، بوجلود…).
جولات سياحية ليلية برفقة مرشدين، تروي أسرار المدينة تحت ضوء القمر.
تسويق “برودة الرياضات والجنانات”: الرياضات الفاسية مصممة هندسياً لتكون واحات باردة في قلب الحر. يجب الترويج لها كمنتج سياحي صيفي بامتياز، مع عروض خاصة تشمل الاستمتاع بمسابحها وحدائقها الداخلية. وكذلك استغلال برودة جنان السبيل لتنظيم فعاليات ثقافية وفنية مسائية.
ثقافة المسبح والترفيه المائي: تشجيع الاستثمار في مسابح عصرية مفتوحة للعموم، وتنظيم مهرجانات وأنشطة ترفيهية حولها، لخلق متنفس حقيقي لسكان المدينة وزوارها.
تجهيز الفضاء العام: تركيب أنظمة رش رذاذ الماء (brumisateurs) في الساحات الكبرى والمساحات الخارجية للمطاعم والمقاهي، كما هو معمول به في العديد من المدن السياحية الحارة.
إن مدينة فاس لا تستحق أن تفرغ من أهلها وزوارها لشهرين في السنة. إنها تمتلك كل المقومات لتكون وجهة صيفية بامتياز، شريطة أن نغير عقليتنا أولاً، ونبدأ في تسويق سحر لياليها المنعشة، وبرودة رياضاتها العريقة، وأجواء سمرها التي لا تضاهى. حان الوقت لتستيقظ فاس بعد غروب الشمس، وتثبت أنها مدينة لكل الفصول.
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر