بالأرقام والشهادات الحية.. ألمانيا تزيح فرنسا وتتصدر وجهات شباب جهة فاس مكناس بحثاً عن “الأمن الوظيفي”

فاس: تشهد جهة فاس مكناس تحولاً ديموغرافياً ومهنياً لافتاً، حيث تتجه بوصلة الكفاءات الشابة واليد العاملة المؤهلة بشكل متسارع نحو ألمانيا كوجهة أولى لتحقيق “الأمن الوظيفي“، متفوقة بذلك تدريجياً على الوجهات الأوروبية الكلاسيكية والتقليدية كفرنسا وإسبانيا. ويأتي هذا التحول الجذري في ظل التسهيلات القانونية غير المسبوقة التي أقرتها برلين مؤخراً، وعلى رأسها قانون هجرة الكفاءات الجديد، لاستقطاب العمالة الماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي بغية سد العجز الحاد في أسواقها.
وتكشف المعطيات الميدانية بالجهة عن طفرة استثنائية في إقبال الشباب، خاصة خريجي المعاهد التمريضية، ومؤسسات التكوين المهني، والجامعات، على مراكز ومعاهد تعلم اللغة الألمانية بكل من مدينتي فاس ومكناس، والتي باتت تسجل لوائح انتظار طويلة. وتعد قطاعات الصحة، وتكنولوجيا المعلومات، والهندسة، واللوجستيك، والحرف اليدوية الدقيقة، أبرز المجالات التي تشهد هجرة منظمة للكفاءات المحلية، مستفيدة من نظام “بطاقة الفرصة(Chancenkarte) وتخفيف شروط معادلة الشواهد، مما يوفر مساراً واضحاً للاندماج المهني بعيداً عن هشاشة العقود المؤقتة التي يعاني منها المهاجرون في دول أوروبية أخرى.
وفي شهادات حية استقتها الجريدة لرصد هذا التحول، يؤكد (م. ع)، وهو خريج معهد للتمريض بمدينة فاس يتابع حالياً تكويناً لغوياً مكثفاً لبلوغ مستوى (B2)، أن “اختيار السوق الألمانية لم يعد خياراً ثانوياً بل أولوية مهنية، وذلك بفضل وضوح مسار التوظيف والطلب الهائل على الممرضين، مقارنة بالتعقيدات الإدارية المفرطة وتراجع فرص العمل المستقرة في دول كفرنسا”. ويضيف المتحدث أن الحوافز الاجتماعية، وظروف العمل، والرواتب المبدئية التي تحترم الجهد والكفاءة، تشكل عوامل جذب حاسمة لشباب المنطقة الباحثين عن الاستقرار لتأسيس مسار مهني وحياتي مستدام.
من جهته، يوضح (س. ك)، تقني متخصص في الشبكات والمعلوماتية من مدينة مكناس، أن “الضمانات الاجتماعية الصارمة ونظام العمل في ألمانيا يوفران استقراراً حقيقياً يحمي العامل المهاجر من تقلبات السوق والممارسات التمييزية“. ويشير المتحدث إلى أن “العشرات من زملائه في المعاهد التقنية بجهة فاس مكناس تخلوا نهائياً عن فكرة الهجرة نحو دول جنوب أوروبا، وبدؤوا فعلياً في إجراءات الحصول على عقود عمل ألمانية، خاصة مع التعديلات الأخيرة التي ألغت تعقيدات شرط الخبرة الطويلة لتأشيرات العمل الماهرة“.
ويطرح هذا التوجه المتصاعد تحديات وفرصاً مزدوجة للمؤسسات المحلية بجهة فاس مكناس؛ فمن جهة، يسلط الضوء على تحدي نزيف الكفاءات المهنية “هجرة الأدمغة” في قطاعات حيوية كالصحة والتقنيات، ومن جهة أخرى، يدفع المؤسسات المعنية، كالوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC) ومؤسسات التكوين المهني بالجهة، إلى محاولة مأسسة هذا المسار عبر تطوير شراكات دولية وبرامج توجيهية ومواكبة لغوية، لضمان هجرة نظامية، آمنة، ومحمية قانونياً لشباب الجهة في دول الاستقبال.

المصدر: فاس نيوز ميديا