في دهاليز بعض الإدارات، لم تعد السرية المهنية مبدأً مقدسًا، بل تحوّلت إلى مجرد حبر على ورق، أو بالأحرى إلى وثيقة قابلة للنسخ والتمرير، لا عبر القنوات الرسمية، بل عبر قنوات موازية يعرفها الجميع ويتغاضى عنها أغلبهم.
بات من المألوف أن نرى نقابات تحتج وتفاوض وتترافع، لا انطلاقًا من المعلَن أو المتداول، بل بالاعتماد على وثائق داخلية ومعطيات يفترض أن تكون محفوظة في درج مغلق أو نظام معلوماتي مؤمّن. تسريبات دقيقة، جداول مالية، مراسلات إدارية، وكل ما يصلح لأن يتحول إلى “ذخيرة” في معركة تفاوض غير متكافئة.
والسؤال الذي يُطرح – بخجل أحيانًا وبسخرية في أغلب الأحيان – هو: كيف وصلت هذه المعلومات إلى هناك؟ من منح النقابة سلطة الإطلاع على ما يُمنع حتى على بعض المسؤولين؟ ومن قرر أن السر الإداري لم يعد من أسرار الدولة، بل من ممتلكات الهيئات النقابية المتقدمة في لعبة التموقع؟
الجواب لا يحتاج إلى لجنة تحقيق، بل إلى قليل من الجرأة: هناك موظفون، يتموقعون في مفاصل حساسة داخل الإدارة، يرون في انتمائهم النقابي جوازًا لتجاوز ضوابط المهنة. يوظفون مواقعهم لتغذية تنظيماتهم بالمعلومة الدقيقة، لا خدمة للشفافية، بل استثمارًا في لعبة التأثير والضغط.
بهذا المعنى، لم تعد النقابة مجرد شريك اجتماعي، بل صارت، في بعض الحالات، شريكًا في القرار الإداري من الباب الخلفي، تمليه المعطيات التي “لا يملكها أحد سواها”. وهكذا تصبح المعلومة – بدل أن تكون أداة للحكامة – أداة للابتزاز، وورقة لتقويض ميزان الحوار.
الطريف ـ والمؤلم في نفس الوقت أن الإدارة في هذه الحالة تبدو كما لو أنها تخوض نقاشًا مع ظلها: كل وثيقة تُحرر، كل قرار يُدرس، قد يجد طريقه خارج الجدران قبل أن يجف حبره. وما تبقى بعد ذلك ليس تفاوضًا، بل رقصة فوق سلك مشدود بين التسريب والسكوت.
أمام هذا الواقع، لا بد من وقفة صريحة: لسنا أمام نقابة قوية بالمطالب، بل أمام معلومة ضعيفة بالحماية. ولسنا أمام إدارة شفافة، بل أمام إدارة مثقوبة تتسرب منها الأسرار كما يتسرب الهواء من إطارات مهترئة.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف العلاقة بين الإدارة والنقابة، ليس عبر تقليص الأدوار، بل عبر تنظيمها. فالنقابة التي تتغذى على التسريبات تفقد شرعيتها، والإدارة التي تسكت عن اختراقات من هذا النوع، تفقد هيبتها.
وفي نهاية هذا الفصل من رواية الفساد المُقنّن، لا نملك إلا أن نطرح السؤال مرة أخرى، بصيغة ساذجة لكنها مشروعة: متى تعود الوثائق إلى مكانها الطبيعي… بعيدًا عن قاعات الاجتماعات النقابية؟
بقلم (معاد الوزاني الشاهدي )
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر