في عرضه أمام مجلس النواب يوم الاثنين 19 ماي 2025، رسم السيد رئيس الحكومة صورة وردية لإصلاح قطاع التعليم، واعداً بـ”مدرسة الريادة” و”جامعة التميز” كحلول لبناء أجيال الغد، لكن خلف الأرقام الطموحة والعبارات الرنانة، تختبئ تساؤلات مشروعة ونواقص جوهرية تثير القلق حول مدى قدرة هذه “الخارطة” على انتشال المدرسة العمومية من أزمتها الحقيقية، وتجعل مهمة الصحافة في كشف المستور أكثر إلحاحاً.
الأرقام الصادمة التي لم يعالجها الخطاب بعمق:
و اعترف رئيس الحكومة بأن التقييمات الوطنية والدولية كشفت عن “أزمة حقيقية في التعلمات الأساس بالمدرسة المغربية”، وأشار إلى أن 30% فقط من تلاميذ التعليم العمومي يتحكمون في المقرر الدراسي عند استكمال التعليم الابتدائي، وأن المغرب يحتل مراتب متأخرة (75 من أصل 79 دولة في PISA 2018) في الكفايات الأساس، كما أقر بأن ظاهرة الهدر المدرسي متفاقمة، حيث ينقطع سنوياً ما يناهز 300,000 تلميذ عن الدراسة.
السؤال المثير هنا : هل برامج “الريادة” التي تشمل نسبة محدودة من المؤسسات والتلاميذ (حوالي 30% من تلاميذ الابتدائي في أفضل الأحوال بعد التوسيع، و10% من الإعداديات) كافية لمعالجة هذه الأزمة الوطنية الشاملة؟ وماذا عن الـ 70% من تلاميذ الابتدائي والـ 90% من تلاميذ الإعدادي الذين لم تشملهم “الريادة” بعد؟ هل نُعدّهم أجيالاً ضائعة في انتظار تعميم قد يطول؟
“مدارس الريادة”: نخبوية مقنعة أم تعميم مؤجل؟
و يتحدث الخطاب بفخر عن “النتائج الجد مشجعة” لمشروع مدارس الريادة، وأنها حققت تحسناً ملموساً يعادل استدراكاً للتعلمات ما بين سنة وسنتين، هذا جيد، ولكن بتكلفة تصل إلى 25,000 درهم لكل قسم ابتدائي و30,000 درهم لكل قسم إعدادي في السنة الأولى فقط، بالإضافة إلى مصاريف تسيير سنوية.
التساؤل المثير للقلق : هل تملك الحكومة الإمكانيات لتعميم هذا النموذج المكلف على جميع مدارس المغرب بنفس الجودة والسرعة؟ ألا يخشى أن يؤدي هذا إلى خلق نظام تعليمي بسرعتين: مدارس “ريادية” مجهزة ومدعومة، ومدارس أخرى منسية تعاني الخصاص؟ يؤكد رئيس الحكومة أن الهدف ليس خلق “مدارس نخبوية أو فئوية”، لكن الواقع قد يفرض هذا التمييز إن لم تتوفر الإرادة والموارد للتعميم الشامل والعادل.
إصلاح التعليم العالي: كم من الوعود وكيف التنفيذ؟
في مجال التعليم العالي، تحدث الخطاب عن المخطط الوطني لتسريع تحول المنظومة، وإحداث 82 مركزاً جديداً للتميز، وتكوين 100,000 خريج من المهندسين والتقنيين في أفق 2027، و10,000 مساعد اجتماعي بحلول 2030، و50,000 أستاذ بنهاية 2025. أرقام طموحة جداً.
النقطة المثيرة للجدل: ما هي الآليات الملموسة لضمان جودة هذه التكوينات وقابليتها للتشغيل، بعيداً عن لغة الأرقام؟ وكيف سيتم ضمان توزيع هذه الفرص بشكل عادل بين مختلف جهات المملكة؟ وماذا عن البنية التحتية الجامعية الحالية وقدرتها على استيعاب هذه الطموحات؟ الخطاب يذكر تزويد 220 موقعاً جامعياً بالأنترنت WIFI6، وهو جيد، لكن التحديات أعمق من مجرد توفير الإنترنت.
تسوية ملفات رجال التعليم: هل طُوي الملف فعلاً؟
و أشار الخطاب إلى “الجرأة السياسية المنقطعة” في طي ملف المتعاقدين بشكل نهائي بترسيم أزيد من 115,000 موظف، وإقرار النظام الأساسي الجديد، وصرف زيادات وتعويضات.
ما يثير الانتباه هنا : رغم هذه الإجراءات، هل تم فعلاً تحقيق الرضا الكامل لأسرة التعليم؟ هل يعكس النظام الأساسي الجديد تطلعات جميع الفئات؟ وهل تم تجاوز كل أسباب الاحتقان التي شهدها القطاع سابقاً؟ الواقع اليومي في المؤسسات التعليمية قد يحمل إجابات مختلفة عن تلك المقدمة في الخطابات الرسمية.
نواقص صارخة تتطلب إجابات عاجلة:
- غياب استراتيجية واضحة ومفصلة لتمويل التعميم الشامل لمدرسة الريادة: الأرقام المذكورة للإنفاق على برامج الريادة تثير تساؤلات حول استدامة التمويل وتوفيره لكافة المؤسسات دون استثناء، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
- معالجة سطحية لقضية الهدر المدرسي: الاكتفاء ببرامج جزئية دون التطرق إلى الأسباب العميقة (الفقر، البعد، الزواج المبكر للفتيات، عدم ملاءمة العرض التربوي…) يجعل الحلول المقترحة قاصرة.
- إغفال دور التكوين المهني الحقيقي كرافد أساسي لاستيعاب المتسربين من التعليم: لم يحظَ هذا الجانب باهتمام كافٍ في الخطاب، رغم أهميته القصوى.
- غموض حول آليات المراقبة والتقييم المستقلة لضمان نجاعة الإصلاحات: الحديث عن تقييم خارجي لمؤسسات الريادة خطوة جيدة، لكن هل ستعمم هذه الممارسة على كل جوانب الإصلاح بشفافية تامة؟
- ضعف الإشارة إلى دور البحث العلمي التربوي في توجيه الإصلاحات: الإصلاح يحتاج إلى الاستناد إلى دراسات علمية دقيقة ومستمرة، وليس فقط إلى قرارات سياسية أو تجارب محدودة.
إن مهمة الصحافة ليست فقط نقل الأخبار، بل كشف الحقائق وطرح الأسئلة الصعبة. وخطاب رئيس الحكومة حول إصلاح التعليم، رغم ما حمله من نقاط إيجابية، يترك الباب مفتوحاً أمام العديد من هذه الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات شافية، بعيداً عن لغة الانتصار المسبق، لضمان أن يكون “مغرب الغد” الذي ننشده مبنياً على أساس تعليمي صلب وعادل للجميع.
المصدر : فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر