دور التعليم العالي في دعم الابتكار والتطور الاقتصادي بالمغرب

يسعى المغرب، منذ سنوات، إلى إعادة تموقع منظومة التعليم العالي في صلب معادلة التنمية الاقتصادية، من خلال إرساء نموذج جديد يقوم على الابتكار والمعرفة كرافعتين أساسيتين للنمو، وقد شهدت المرحلة الأخيرة إطلاق عدد من المبادرات الطموحة، أبرزها تعبئة صندوق مشترك بين وزارة التعليم العالي ومؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط بقيمة مليار درهم لدعم البحث والتطوير، وذلك للفترة ما بين 2025 و2028، كما حصل المغرب في دجنبر 2023 على دعم مالي من البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار، مخصص لتنفيذ الخطة الوطنية لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، التي تهدف إلى تحسين جودة التكوين وربط الجامعات بمحيطها السوسيو-اقتصادي.

و انعكست هذه الجهود انعكست بشكل جزئي على ترتيب المغرب في مؤشر الابتكار العالمي لسنة 2024، حيث تقدم إلى المرتبة الثانية على مستوى القارة الإفريقية، و66 عالميًا من أصل 133 دولة، فيما جاء في المرتبة 47 من حيث نتائج الابتكار، وهو ما اعتبرته بعض التقارير التقنية مؤشرًا على بداية ترجمة الاستثمارات البحثية إلى نتائج عملية، خاصة في قطاعات مثل الطاقة المتجددة والصناعة.

و مع ذلك، فإن عدداً من المتتبعين والفاعلين في مجال البحث العلمي يؤكدون أن هذا التقدم لا يخفي وجود اختلالات بنيوية تعيق تطور التعليم العالي المغربي نحو نموذج تنافسي مستدام، ويأتي على رأس هذه التحديات ضعف الميزانية المخصصة للبحث العلمي، حيث تشير آخر التقديرات إلى أن نسبة الإنفاق لا تتجاوز 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي أقل من نصف المعدل الموصى به عالميًا.

إضافة إلى ذلك، ما تزال العلاقة بين الجامعات والمقاولات الصناعية تعاني من الفتور، رغم بعض المبادرات المشتركة، ويشتكي العديد من أرباب المقاولات من كون التكوين الجامعي لا يواكب متطلبات سوق الشغل، ما يفسر نسب بطالة مرتفعة في صفوف خريجي بعض التخصصات، مقابل خصاص في كفاءات أخرى، كما أن تمركز التمويلات والشراكات الدولية حول مؤسسات خاصة أو جامعات حديثة النشأة مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، يكرّس فجوة متنامية بين الجامعات العمومية ونظيراتها الخاصة، سواء من حيث الإمكانيات أو النتائج البحثية.

في السياق ذاته، تسجّل تقارير علمية دولية استمرار تدني نسبة الأبحاث المغربية المنشورة في مجلات علمية دولية محكمة، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات المعتمدة في تطوير الإنتاج المعرفي، وتضاف إلى ذلك عوائق مرتبطة بالبيروقراطية وضعف الحوكمة الداخلية، التي غالبًا ما تؤخر تنزيل إصلاحات حيوية، خصوصًا في ما يتعلق بتحديث المناهج التعليمية وربطها بالتحولات الرقمية والتكنولوجية.

ورغم كل هذه التحديات، يرى عدد من الخبراء أن المغرب يوجد اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة منظومته الجامعية، شريطة مواصلة الإصلاح بوتيرة أسرع، وتوسيع قاعدة التمويل، وضمان عدالة في توزيع الموارد بين مختلف المؤسسات، إلى جانب وضع البحث العلمي في صلب السياسات العمومية، كخيار استراتيجي لا محيد عنه في سياق التحولات الاقتصادية العالمية.

المصدر : فاس نيوز ميديا