العنف الرمزي: حين تتحوّل الكلمة إلى ساحة إعدام معنوي

✒️ بقلم: [معاد الوزاني الشاهدي ]

“القتل الرمزي لا يُريق دمًا، لكنه يُغتال في الضمير، ويُشوه في المعنى، ويُصوّب سهامه نحو نبل الفكرة قبل صاحبها.”

في زمن ارتفعت فيه الكلمة الحرة لتصارع واقعًا متكلّسًا، لم تعد ساحة المعركة مقتصرة على الفعل السياسي أو النضال الميداني، بل امتدّت إلى اللغة ذاتها، لتصبح الكلمات ساحة صراع جديدة، فيها تُخاض المعارك، وعليها تُشنّ الحروب، وأحيانًا تُرتكب الجرائم… جرائم رمزية لكنها قاتلة.

أكتب هذا المقال وأنا أعي تمامًا أن كل كلمة أضعها هنا، وكل فكرة أطرحها، تمثّلني وتعبّر عن قناعتي، لا أتهرب منها، ولا أتوارى خلفها. أتحمّل كامل المسؤولية الأخلاقية والفكرية عمّا أدوّنه، لأنني أومن أن الكتابة ليست ترفًا بل موقف. ومع ذلك، أجد نفسي مرارًا عُرضة لعنف رمزي يمارس عليّ من خلال تحريف مقاصدي، وتشويه أقوالي، ونقل الكلام مبتورًا أو مضافًا إليه ما يخدم رغبة المفترين.

ليس هذا “سوء فهم عابرًا” ولا “اختلاف تأويليًا مشروعًا”، بل هو تشويه متعمد، يراد به النيل من الشخص لا من الفكرة، وتحويل النقاش إلى محاكمة نوايا، يلبسونني فيها ما لم ألبس، ويقحمون في كلامي ما لم أكتب، ويجعلون من الكلمة مدخلًا للشيطنة، لا للحوار.

وهنا تحضر بقوة مقولة بيير بورديو عن العنف الرمزي، ذاك العنف الذي لا يُمارس بالسلاح أو القهر المباشر، بل عبر أدوات ناعمة، كالكلمة، والتأويل، والهيمنة الخطابية. إنه عنف يُمارس “بهدوء” لكنه يترك جرحًا غائرًا، لا في الجسد، بل في المعنى والكرامة والمصداقية.

وحين يتحول هذا العنف إلى محاولة قتل رمزي للمناضل أو المثقف أو الكاتب، فإننا نكون أمام ممارسة خطيرة: يُشوه فيها التاريخ النضالي، وتُفرغ فيها المواقف من مضامينها، ويُدفع القارئ دفعًا إلى الشك بدل الفهم، وإلى النفور بدل التفاعل.

إن الذي يفتري ويحرّف ويشيع، لا يسعى إلى النقاش بل إلى إسكات الصوت الحر، عبر إغراقه في موجات من التشويه والتأويل الفاسد. وهنا يصبح الكذب أداة تصفية معنوية، تغتال الكلمة، وتغتال من قالها، وإن بقي على قيد الحياة.

ولذلك، فإنني أجد من واجبي أن أنبّه وأحذّر: الكلمة مسؤولية، ونقلها أمانة، وتأويلها لا ينبغي أن يُبنى على نوايا مفترضة أو حسابات شخصية، بل على القراءة الواعية، والنقاش النزيه.

من يختلف معي، فليخالفني بالحجة والبرهان، لا بالتشويه والهمز واللمز. ومن لا يوافقني، فليكتب، ويرد، ويجادل بالحسنى. أما أن تُستعمل الكلمة سكينًا، وتُحشد ضد صاحبها جماعات التأويل المغرض، فذاك قتل رمزي لا يقل خطورة عن العنف المادي.

أكتب اليوم دفاعًا عن حقي في التعبير، وعن حق كل من يحمل موقفًا حرًا في أن يُفهم لا أن يُفترى عليه. فرفقًا بالكلمة… رفقًا بالمعنى… رفقًا بمن آمن أن القلم مقاومة، لا تهمة.

عن موقع: فاس نيوز