عندما يُصبح الْعَبَقُ لغةً.. قراءة في هايكو المبدع جامع عبجا..
قراءة وتحليل الأستاذ نصر سيوب :
“لِبَيْتِ الْجَدّةِ
إشارَةٌ تَقودُني
عَبَقُ القَهْوَةِ”
****
ــ مقدمة :
في ثالوث شعري مكثَّف، تُختزلُ رحلة زمنية بأكملها في إشارة حسية لا تُرى، لكنها تقود الروح بقوة المغناطيس. ها هو هايكو المبدع جامع عبجا ينسج خريطة للذاكرة عبر عبق القهوة، محولا رائحة عابرة إلى جسر يعبر من الحاضر إلى مملكة الطفولة. فهذا النص ليس مجرد كلمات، بل طقس شعري يُحيي الموتى بالروائح، ويجعل من بيت الجدة فلسفة للحنين تُثبت أن الذاكرة قد تُحْكَى أحيانا بأنف لا بلسان.
في أحضان النص :
ــ التحليل :
النص لا يبدأ بمشهد بصري بالدرجة الأولى إنما يقدم لحظة شخصية حميمية جدا، وهي لحظة التوجه نحو بيت الجدة، وما يصاحبها من إحساس عميق هو مزيج من الشعور بالانتماء إليه والتوقع والاعتماد على حاسة الشم. فالسطر الأول : “لِبيتِ الجدةِ” هو السطر الافتتاحي للنص، محددا الإطار العاطفي للهايكو. فبيت الجدة هو رمز للحنان والدفء والأمان وذكريات الطفولة، فهو يثير في ذهن القارئ مشاعر الحنين والارتباط. وابتداؤه بحرف الجر “اللام” الذي جاء هنا بمعنى “إلى” لم يكن اعتباطا ولا مصادفة من الكاتب بل هو إحكام فني يضاعف كثافة النص ويفتح أبواب الدلالات. فـ”إلى” تتكون من حركتين ومد، وتفيد لو تم استعمالها انتهاء الغاية في المكان والاتجاه نحو الشيء، في حين أن “اللام” هو حرف واحد وحركة واحدة ينسجم مع إيجاز الهايكو، ويؤكد المِلكية والغاية معا، ويحتمل تأويلات أخرى كالانتماء والاستحقاق. فهو ليس مجرد حرف بل هو خط محكم لرسم مسار الحنين، قال عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز : “لِكُلِّ حَرْفٍ مَخْرَجٌ، وَلِكُلِّ مَخْرَجٍ سِرٌّ يَخْتَزِنُهُ”.
فالكاتب حين اختار “اللام” دون “إِلى” جعل البيت مملوكا للروح قبل أن يكون مجرد مكان، وحوّل الرحلة إِلى حكم وجداني، وجعل البيت مَقصدا نهائيا للرحلة، والوصول إليه ليس حركة في المكان، إنما استراحة في الزمن، وكأن الكاتب يقول : “لست أسير إلى بيتٍ، بل إلى جنة الطفولة”.
والسطر الثاني : “إشارة تقودني” يضفي على النص نوعا من الغموض والتوجيه، والإشارة هنا ليست مرئية كعلامة طريق (علامة تشوير) أو لافتة، إنما هي إشارة داخلية وحسية، توحي بأن هناك قوة غير مرئية لكنها واضحة وموجِّهة تجذب الكاتب نحو ذكريات طفولته ببيت الجدة عندما كانت تُعدّ القهوة المعطَّرة بالتوابل ككل الجدات المغربيات.
ثم يأتي السطر الثالث “عبق القهوة” ليحقق نقطةَ “قَطْعٍ” فعالة في الهايكو بين السطرين الثاني والثالث؛ فالسطران الأول والثاني يقدمان المكان والعملية، ليأتي السطر الثالث ليكمل الصورة ويقدم التحديد الحسي لهذه الإشارة، ويفجر الدهشة والمعنى والعمق “المفارقة”. فكنا نتوقع أن تكون الإشارة شيئا بصريا أو سمعيا، لكن الكاتب يفاجئنا بأنها “عبق القهوة”، وهي إشارة تعتمد على حاسة قوية جدا في استحضار الذكريات والمشاعر وهي حاسة الشم. فهذا الانتقال من إشارة عامة إلى “عبق القهوة” المحدد هو جوهر الكيريجي هنا، وهو ما يضفي على الهايكو طابعا حميميا ومؤثرا.
فنص المبدع جامع عبجا يتوافق مع روح الهايكو (ثلاثة أسطر)، حيث يُختزل الزمن والمكان في إشارةٍ واحدة، بالإضافة إلى أنه مكثف للغاية، فكل حرف وكلمة مختارة بعناية لتحمل أكبر قدر من المعنى والإيحاء. فالكاتب لا يصرح بالكثير من التفاصيل ولم يذكر مشاعره صراحة، بل يترك للمتلقي مساحة واسعة لملء الفراغات وتخيل المشهد، والارتباط العاطفي، والتأمل في قوة الذاكرة والحواس والروابط العائلية.
فهذا الهايكو يميل بوضوح إلى موضوع إنساني بحت (البيت، الجدة، الحنين)، ولا يحتوي على كلمة فصل “كيغو” تشير إلى الطبيعة أو الموسم، لذا فهو أقرب في جوهره إلى “السينريو”، الذي يركز على المشاعر والسلوكيات الإنسانية، والمفارقات اليومية، حتى وإن كان يُطلق عليه “هايكو” في السياق العربي.
خاتمة :
لقد نجح المبدع جامع عبجا عبر هذا الهايكو في التقاط لحظة إنسانية حميمية، وتحويل العبق/الرائحة إلى خريطة وجودية. فبيت الجدة هنا ليس مجرد أحجار مصفوفة، بل هو زمنٌ مفقودٌ يعود عبر حاسة تشبه السحر. وهذا ما يجعل الهايكو العربي قادرا على منافسة نظيره الياباني بإيقاظ الذاكرة عبر “إشارة” لا تحتاج لشرح.
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر