تشكل عاشوراء في السياق المغربي لحظة رمزية ذات كثافة طقسية واجتماعية عالية، يتداخل فيها المقدس بالدنيوي، والدين بالثقافة، والاحتفال بالإنكار. فهي ليست فقط مناسبة دينية تستحضر ذكرى تاريخية، بل تعد فضاء للصدام بين تصورات فكرية ودينية وثقافية متباينة حول معنى الطقس، مشروعيته، وحدود ممارسته. ولأنها تمارس في المجال العام وتشارك فيها فئات عمرية وطبقية مختلفة، فإنها تتحول إلى مرآة سوسيولوجية تعكس مدى التعدد القيمي داخل المجتمع المغربي، واحتدام التوتر بين التقليد والحداثة، بين التدين الشعبي والخطاب الفقهي الرسمي، وبين الذاكرة الثقافية والنزعة التطهيرية الدينية. يمكن النظر إلى عاشوراء باعتبارها ساحة رمزية للصراع على المعنى، حيث يتواجه ثلاثة اتجاهات رئيسية.
الاتجاه الشعبي التقليدي، الذي يرى في الطقوس المرتبطة بعاشوراء (كإشعال النار، رش الماء، توزيع اللعب، زيارة المقابر، وحتى بعض أشكال السحر) امتدادا لميراث ثقافي متجذر، يعيد صوغ علاقة الإنسان بالموت، والماء، والزمن، والبركة. يقابله الاتجاه الديني المحافظ، خاصة من التيارات السلفية، والذي يعتبر كثيرا من هذه الممارسات بدعا وخرافات لا سند لها في النصوص، ويدعو إلى تنقية عاشوراء من الموروثات الشركية والطقوس الجاهلية. ثم الاتجاه الحداثي أو العقلاني، الذي ينظر إلى عاشوراء من زاوية سوسيولوجية وأنثروبولوجية، معتبرا إياها طقسا ثقافيا جماعيا له وظائف رمزية في إنتاج الهوية الجماعية، وصيانة الذاكرة، وتدبير القلق الوجودي.
تظهر هذه التوترات بجلاء أن الاحتفال بعاشوراء لم يعد فقط فعلا طقوسا، بل أصبح موضوعا للصراع الرمزي حول الهيمنة الثقافية. ففي كل عام، يعاد النقاش حول مشروعية طقوسها: هل رش الماء احتفال بريء أم بقايا طقوس وثنية؟ هل زيارة المقابر شكل من أشكال الصلة بالميت أم إعادة إنتاج للخرافة؟ هل إشعال النار طقس تطهيري أم انزلاق رمزي نحو طقوس ما قبل إسلامية؟
تحيل هذه الأسئلة إلى ما يسميه بورديو بالصراع من أجل الشرعية الرمزية، حيث تتصارع فئات اجتماعية مختلفة لفرض تصورها للمعقول والمشروع والمقدس. فالمؤسسة الدينية الرسمية تسعى إلى تقنين الدين وتحديد شكله المشروع، بينما تحافظ شرائح شعبية على ممارسة دينية حية وغير مؤسساتية، ترى في عاشوراء مناسبة للتواصل مع المقدس والميتافيزيقي بلغة الطقس والتقاليد.
ويسجل أن هذه الصراعات ليست مجرد خلافات فقهية، بل تعكس صدام أنماط متباينة من التدين والهوية والثقافة. فهي تعبير عن تحولات عميقة يعيشها المجتمع المغربي، من مجتمع تقليدي قائم على الجماعة والذاكرة والطقس، إلى مجتمع حديث مهيكل حول الفرد والعقلانية والتأويل الرسمي للدين.ومع تصاعد المد السلفي، خاصة في الفضاء الرقمي، تتعرض طقوس عاشوراء إلى حملة تطهير ديني تقرأها من منطلق الحرام والحلال، فيما تقرأها السوسيولوجيا كآليات رمزية تُسهم في بناء الانتماء الجماعي وتدبير التوترات الرمزية في علاقة الإنسان بالحياة والموت والمصير.
لكن ما يثير الانتباه هو أن هذه الممارسات الطقسية لم تختف رغم الهجوم عليها، بل تمثل شكلا من أشكال المقاومة الرمزية، حيث تصر فئات من المجتمع على ممارسة تقاليدها، لا عن جهل، بل عن وعي بهويتها الرمزية الخاصة، وعن إحساس بأن الدين ليس فقط نصوصا، بل أيضا تجارب حية، جماعية، ومتجذرة في الذاكرة الثقافية.
إن الصدام حول عاشوراء لا يتعلق فقط بما إذا كان ينبغي إشعال النار أو رش الماء، بل يتعلق أساسا بالسؤال الأعمق: من يملك حق تعريف الدين والثقافة والطقس؟ وفي زمن التحولات القيمية وتعدد المرجعيات، تظل عاشوراء مناسبة دالة على تعقيد الهوية المغربية، وعلى استمرار التوتر بين الدولة والمجتمع، بين الدين الشعبي والدين الرسمي، وبين ما نمارسه عفوا، وما يطلب منا التخلي عنه باسم التقنين أو التهذيب.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر