الطريق بين السيلان الاجتماعي وسقوط الضبط:حوادث السير في المغرب كتجلي لأزمة المعايير الجماعية

بالاعتماد على المعطيات الرسمية حول تصاعد وتيرة حوادث السير في المغرب خلال الأشهر الأولى من سنة 2025، ومع استحضار المنطلقات النظرية لكل من زيغمونت باومان في الحداثة السائلة، ونظرية الضبط الاجتماعي كما صاغها ترافيس هيرشي، يمكن تفكيك هذه الظاهرة سوسيولوجيا بوصفها نتيجة لتحولات بنيوية عميقة في علاقة الفرد بالمجتمع، والقانون بالسلوك، والمؤسسات بالقيم.

لم تعد حوادث السير مجرد وقائع عرضية يمكن اختزالها في أخطاء بشرية أو أعطاب تقنية، بل غدت مرآة عاكسة لواقع اجتماعي متحول تتخلله أنماط جديدة من التفكك والانفلات، يعبر عنها سلوك الأفراد في الفضاء الطرقي. ففي ظل الأرقام الصادمة التي تشير إلى أكثر من 143 ألف حادثة سير جسمانية خلال سنة 2024، بزيادة بلغت 16.2 بالمائة عن السنة السابقة، ووفاة أزيد من 4024 شخصا، تصبح الطريق حلبة تعبير عن أزمة مجتمعية مركبة، لا مجرد ساحة لحوادث ميكانيكية.إن هذا الواقع يستدعي مساءلة أعمق للبنية السوسيولوجية التي أنتجته، وذلك من خلال إسقاط مفهومين محوريين:

وفقا لزيغمونت باومان، يتميز المجتمع المعاصر بـالسيولة، حيث تنهار البنى الصلبة، وتفقد القيم الجماعية تماسكها، ويصبح الفرد معلقا في فراغ معياري، مضطرا لاتخاذ قرارات أخلاقية بشكل منفرد، ودون مرجعية ثابتة. وفي هذا السياق تتحول الطريق من مجال عمومي منظم إلى فضاء مفتوح للفردانية المتوحشة، حيث يصبح تجاوز السرعة أو خرق قانون السير تعبيرا عن استقلال رمزي أو استعراض وجودي.

يتجسد السلوك الطرقي في هيئة قرار لحظي غير خاضع لمنظومة قيمية جماعية، بل لحالة نفسية، أو نزوة، أو تمثل شخصي للسلطة.هذا ما يفسر، مثلا، تنامي القيادة الاستعراضية للدراجات النارية ثلاثية العجلات، ورفض ارتداء الخوذة، أو التهور في عبور الطريق من قبل الراجلين، إذ لم تعد القوانين تُحترم باعتبارها التزاما جماعيا، بل أصبحت مرتبطة فقط بوجود مراقبة مادية آنية (شرطي، رادار….)

تؤكد نظرية الضبط الاجتماعي أن ارتباط الفرد بالمؤسسات الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، الدين) هو ما يدفعه إلى احترام القانون والانضباط للسلوك القويم. غير أن هذه العلاقة في المجتمع المغربي المعاصر تشهد تآكلا واضح، فالأسرة تعاني من ضعف الرقابة والسلطة الرمزية داخلها، خاصة مع تزايد غياب الأب أو انشغاله بالعمل، أو ضعف فعالية التربية. في حين المدرسة أصبحت مؤسسة لتدبير الزمن أكثر منها فضاء للتنشئة الأخلاقية والمدنية.أما الدين، فقد تراجع عن موقعه كمؤطر جماعي للسلوك، وتحول إلى تجربة شخصية غير ضابطة اجتماعيا.في هذا السياق، يمكن القول إن الفعل الطرقي العنيف أو الاستعراضي ليس ناتجا عن انحراف فردي، بل عن سقوط جماعي لآليات الضبط الاجتماعي الكلاسيكية.

الطريق لم تعد فقط مساحة عبور، بل أصبحت فضاء مفتوحا للتموقع الاجتماعي. فمستعملو الطريق، خصوصا الشباب، يعيدون تعريف ذواتهم من خلال نوع المركبة، طريقة السياقة، أو حتى كسر القانون كنوع من إثبات الذات.
الدراجة النارية هنا ليست وسيلة نقل فقط، بل رمز لهوية ذكورية شبابية تظهر التمرد والاستقلالية. كما أن مخالفة القواعد ليست فقط تجاهلا، بل أداة للتفاوض الرمزي مع السلطة، خاصة إذا ما غاب الردع، أو كان مرهونا بمناسبات موسمية.إن السيولة التي تتسم بها هذه التمثلات تؤدي إلى لا استقرار في أنماط السلوك المجتمعي داخل الفضاء الطرقي، حيث يصير الانفلات هو القاعدة، والالتزام هو الاستثناء.

تشير التقارير إلى أن 70 بالمائة من ضحايا حوادث السير هم من الراجلين ومستعملي الدراجات النارية، ما يعكس هشاشة البنية الاجتماعية، إذ هناك فوارق مجالية واضحة بين الفضاءات الحضرية وشبه الحضرية والريفية فيما يتعلق بالبنية التحتية الطرقية، وفي ظل عدم وجود مسالك آمنة، وغياب الثقافة المرورية، وعدم توفر التجهيزات الواقية كلها مؤشرات على فشل جماعي في ضمان الحق في السلامة الطرقية.

البرامج الاستعجالية التي تتكرر كل صيف تعكس نوعا من التدبير الموسمي للأزمة دون مقاربة بنيوية. التركيز على الردع الزجري، والرقابة التقنية، لا يكفي في ظل تآكل القيم الجماعية، وفشل المؤسسات التربوية، وشيوع منطق الاستعراض بدل الانضباط.الدولة، بهذا المعنى، إذا لم تتوجه إلى إصلاح ثقافي ومعرفي عميق، فإنها تظل تعيد إنتاج أزمة السير، لا حلها.

تظهر معضلة السير في المغرب حجم السيلان الذي أصاب النسيج الاجتماعي، وعمق التحول من مجتمعات الضبط الجماعي إلى مجتمعات الانفلات الفردي، حيث تتراجع المؤسسات، وتنسحب السلطة الرمزية، ويترك المواطن في مواجهة خيارات أخلاقية وسلوكية دون دليل أو مرجعية.إن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط لماذا تقع الحوادث؟،بل لماذا لم نعد نشعر أن القانون ملزم؟ ولماذا فقد الإحساس بالآخر في المجال العام؟ هذا هو التحدي السوسيولوجي الحقيقي.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز