المدينة والقرية في المخيال المغربي: تفكيك سوسيولوجي لثنائية الكرم والغدر

في بنية المخيال الجمعي المغربي، تحتل القرية والمدينة موقعين متناقضين من حيث الرمزية والدلالة. فالقرية تمثل، في التمثلات الشائعة، فضاء للكرم والطيبة والأصالة، بينما تصور المدينة كفضاء للغدر والجريمة والانحلال القيمي، خصوصا فيما يتعلق بالجنس والعلاقات الاجتماعية. هذه الثنائية ليست مجرد انعكاس لتفاوتات مجالية، بل هي تعبير عن تصورات اجتماعية وثقافية عميقة تعيد إنتاج نفسها عبر التاريخ، من خلال الأمثال، والحكايات، والإعلام، والخطاب السياسي والديني.
تفكيك هذا البناء الثنائي اعتمادا على مقاربات سوسيولوجية نقدية حديثة، خاصة ما يتعلق بمفاهيم الهابيتوس، التمثلات الرمزية، إدارة الانطباع، والسوسيولوجيا السائلة، مفاهيم تساعد على مساءلة الصور النمطية التي تنسب إلى القرى والبوادي صفات النقاء والكرامة، وإلى المدن صفات الفساد والانحلال.
التمثلات الاجتماعية للقرية والمدينة: بين المتخيل والواقع
يرتبط الفضاء القروي في الوعي الجمعي المغربي بثلاثية “الكرم، الطيبة، العراقة”، حيث ينظر إليه كامتداد للذاكرة الجماعية، ومجال لحفظ القيم التقليدية، وانتماء إلى الجذور والهوية. في المقابل، تحمل المدينة بدلالات الغموض والانفلات القيمي، وترتبط غالبا بتمثلات عن “الاستغلال، الغدر، الجريمة، والانحلال الأخلاقي”، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية، والخداع الاجتماعي، وانتشار العنف.
تغذي هذه التمثلات وسائل الإعلام والأمثال الشعبية مثل: “اللي ما عرفكش فشي بلاصة، يخدعك” (في إشارة إلى الغربة داخل الفضاء المديني)، أو “الدوار فيه الناس، المدينة فيها الوحوش”، مما يدل على تصور ثنائي بين الجماعة والأنا، بين الأمان والخطر.
أدوات لفهم الفضاء والتمثلات
يبرز بورديو كيف تنتج المجالات الاجتماعية أنظمة ذوق وسلوكيات متجذرة. فالفضاء القروي ينتج هابيتوسا محافظا، جماعيا، قائما على التراتب الاجتماعي والاحترام، بينما الهابيتوس المديني أقرب إلى الفردانية، التفاوض الرمزي، والتكيف مع الغموض والهشاشة.
يرى غوفمان أن الفضاءات الاجتماعية هي مسارح للعرض الرمزي، حيث يختار الأفراد كيفية تقديم أنفسهم. في القرى، تفرض الجماعة رقابة مباشرة، تجعل من الواجهة الاجتماعية مراقبة. أما في المدينة، فتتيح الغرابة واللانتماء تنوعا في العروض الرمزية، مما يفسر ربطها بـالخداع أو الغدر.
يسلط باومان الضوء على التغيرات التي أحدثتها الحداثة، خاصة هشاشة الروابط الاجتماعية، واختفاء الثوابت القيمية. تنعكس هذه الهشاشة في التمثلات التي تربط المدينة باللاتماسك، والانحلال، والقلق الوجودي، مقابل ربط القرى بالثبات والاستقرار.
إعادة قراءة الثنائيات
تكشف الدراسة النقدية أن الثنائيات التي تحكم علاقة المغاربة بالمدينة والقرية تقوم على تعميمات رمزية قد تخفي واقعا مركبا. القرية قد تنتج عنفا رمزيا خفيا من خلال الضبط الاجتماعي الصارم، والرقابة الجندرية، والنبذ الاجتماعي، خاصة تجاه الأفراد المختلفين (نساء غير ملتزمات، ذوي الإعاقة، إلخ). في حين أن المدينة قد تتيح إمكانيات للتحرر والاختيار الفردي. رغم مظاهر العنف والتفكك، تظل المدينة مجالا لإنتاج التعدد، وتجاوز القوالب القيمية.بل إن التحولات الاجتماعية، خصوصا الهجرة القروية نحو المدن، أفرزت فضاءات “هجينة” (الأحياء الهامشية، البراريك)، أعادت إنتاج القيم القروية داخل السياق المديني، مما يزيد من تعقيد الفهم الاختزالي للفضاءين.تدل التمثلات المتضادة للمدينة والقرية في المغرب على صراع خفي بين نمطين من العيش والقيم، أحدهما جماعي-تقليدي، والآخر فردي-حداثي. غير أن هذا الصراع ليس جامدا، بل يتطور باستمرار مع تحولات البنية الاجتماعية والاقتصادية، ومع صعود أدوات الاتصال والإعلام.
يتطلب تفكيك هذه التمثلات تحليلا نقديا ينأى عن الأحكام المسبقة، ويستند إلى أدوات سوسيولوجية ترصد كيف تُنتج المجتمعات صورًا ذهنية عن الأمكنة، وتُلبسها دلالات أخلاقية، تنعكس في تمثلاتنا عن أنفسنا والآخر.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز