في سابقة برلمانية أثارت جدلاً واسعًا حول مدى التزام نواب البرلمان المغربي بواجباتهم الدستورية وجودة الممارسة التشريعية، شهد مجلس النواب فجر مساء الثلاثاء الماضي تصويتًا هامًا على مشروع القانون رقم 03.23 المتعلق بتعديل وتتميم قانون المسطرة الجنائية، غابت خلاله أغلبية النواب عن الجلسة، حيث لم يحضر 333 نائبًا من أصل 395، أي ما يعادل حوالي 85% من أعضاء الغرفة الأولى.
رغم حساسية وأهمية النص القانوني الذي يمس جوهر منظومة العدالة الجنائية وينظم العلاقة بين المواطن والجهاز القضائي، تم اعتماد القانون بموافقة 47 نائبًا مقابل 15 صوتًا معارضًا، ولم يُسجل أي صوت امتنع، ما يطرح تساؤلات جادة بشأن جدية النواب وحرصهم على تمثيل إرادة الناخبين.
هذا النمط من الغياب المتكرر، الذي لا يقتصر على مجلس النواب بل يظهر بصورة أقل حدة في مجلس المستشارين، يُبرز أزمة تمثيلية عميقة داخل المؤسسة التشريعية، ويفضح ضعف مشاركة النواب في صنع القرار ورقابة الحكومة، وهو جوهر مهمات البرلمان كما نص عليه الدستور.
غياب أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان عن جلسة تصويت حاسمة على قانون يمس بشكل مباشر الحريات الفردية والمجتمعية، يعكس لا مجرد تقاعس أو إهمال، بل يشكل خرقًا أخلاقيًا لمبدأ التمثيل الديمقراطي وصورة مُنكِسة لمصداقية المؤسسة البرلمانية ذاتها.
وبينما يُفترض أن يكون البرلمان فضاءً للتداول الديمقراطي الجاد حول القضايا المرتبطة بالحياة العامة وتنظيمها، تحولت الغالبية الصامتة من النواب إلى عائق أمام إقرار تشريعات تلبي تطلعات المواطنين، متخذين من الغياب وسيلة للتملص من المحاسبة والمسؤولية.
يُضاف إلى ذلك غياب أي آليات رادعة أو حوافز تشجع على الحضور والمشاركة الفعلية، مما أسفر عن صيرورة البرلمان مجرد هيئة شكلية لمنح الشرعية لتشريعات تمرها أقلية نشطة في ظل غياب الأغلبية.
هذا الواقع ينعكس سلبًا على علاقة الثقة بين المواطن وممثليه، ويغذي الشعور العام بعدم جدوى البرلمان، مما قد يفاقم من ضعف المشاركة السياسية مستقبلاً، سواء في الانتخابات أو داخل الفضاء التشريعي ذاته.
على الرغم من الإرادة السياسية الرسمية لتحديث منظومة العدالة وتعزيز الحقوق والحريات، إلا أن نجاح مثل هذه الإصلاحات يتطلب وجود برلمان يمارس مهامه بجدية ومسؤولية، لا مجرد الاعتماد على نصاب قانوني يحفظ الشكل دون الجوهر.
إن ما سُجل في جلسة التصويت الأخيرة على تعديل قانون المسطرة الجنائية يؤكد الحاجة الملحة إلى إصلاح طريقة اشتغال البرلمان، واتخاذ تدابير عملية للحد من ظاهرة الغياب المتكرر، عبر فرض عقوبات مالية أو نشر لوائح الحضور بشكل دوري أمام الرأي العام، لضمان شفافية ومساءلة النواب.
في النهاية، الديمقراطية ليست مجرد تعداد قوانين تُسن، بل تُقاس بدرجة مشاركة ومساءلة من يمثل الشعب، وحجم الأصوات الغائبة التي تترك فراغًا في التشريع وتخيب آمال الذين انتخبوهم.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر