تحولات الحداثة والعولمة: من الطقس الجماعي إلى مشروع التجمّل الفردي
شهدت ممارسات التجمّل النسائي في المغرب تحولا جذريا في العقود الأخيرة، بتأثير قوى الحداثة والعولمة، التي أعادت صياغة العلاقة بين المرأة وجسدها، ليس فقط على مستوى الوسائل، بل – وهو الأهم – على مستوى الدلالة والمعنى الاجتماعي. فإذا كانت الزينة التقليدية ممارسة جماعية وسياقية، فإن التجمّل المعاصر اتخذ طابعا فرديا، مفرطا في التخصيص، ويتداخل فيه ما هو محلي بما هو عابر للحدود.
أدت موجات العولمة الاقتصادية إلى دخول واسع لمستحضرات التجميل الصناعية (مكياج، كريمات، عطور، منتجات عناية بالبشرة والشعر…) إلى الأسواق المغربية، من علامات غربية، كورية، خليجية… بل وأصبح لهذه المنتجات قيمة رمزية مضاعفة، حيث لا تعني فقط الزينة، بل الانتماء إلى نمط حياة عصري، استهلاكي، مرموق. ولم يعد الجمال محكوما بما يتوافر محليا، بل بما يعرض في السوق العالمية، ما أنتج نوعا من الاستلاب الجمالي المرتبط بالمركزية الغربية.
أسهمت وسائل الإعلام – من المسلسلات والإعلانات إلى منصات التواصل الاجتماعي – في إعادة تشكيل التمثلات الاجتماعية للجمال الأنثوي، حيث تنتج هذه الوسائط يوميا نموذجا جماليا مفرط التوحيد (نحافة، بشرة صافية، ملامح ناعمة، مظهر دائم التجدد). وقد ساهمت المنصات الرقمية مثل الإنستغرام واليوتيوب في نشوء ما يعرف بـالمؤثرات، اللائي يتحولن إلى مرجعيات شبه معيارية للجمال والزينة، ويؤدين دورا محوريا في تسليع الجسد الأنثوي وتوجيه الاستهلاك.
استنادا إلى بيير بورديو، يمكن النظر إلى ممارسات التجمّل الحديثة باعتبارها جزءا من ما يسمى بـالرأسمال الرمزي/الجمالي، أي أن الجمال لم يعد قيمة جمالية محضة، بل موردا اجتماعيا قابلا للتوظيف: في العمل، في التفاعل العمومي، وفي كسب الاعتراف. ففي العديد من السياقات المهنية – خاصة المرتبطة بالخدمات، التسويق، الإعلام – يصبح الاعتناء بالمظهر معيارا غير معلن من معايير القبول. وهكذا، يعاد إنتاج التفاوت الطبقي من خلال القدرة على الاستثمار في الجمال.
- التجمّل كمشروع فردي : إدارة الذات الجمالية
إن ما يميز مرحلة العولمة هو تحول الزينة إلى مشروع فردي متواصل، تتولاه المرأة بنفسها، وتخطط له وتعدّله باستمرار. هذا ما تسميه الدراسات الثقافية المعاصرة بتجميل الذات، أي أن المرأة تُدير جسدها كـعلامة اجتماعية وجب صقلها، ضبطها، تحسينها، وتسويقها في سوق الظهور. لم يعد الجمال يصاغ جماعيا، بل ينتج فرديا، داخل سوق تنافسي رمزي لا يتوقف، تغذيه التكنولوجيا، والإشهار، وصناعة الصور.
رغم ما يوحي به هذا التحوّل من تحرر صوري للجسد الأنثوي، إلا أنه ينقل الرقابة من المجتمع الخارجي إلى الذات الفردية، بحيث تتحول المرأة إلى رقيبة على نفسها، عبر السعي المستمر لمطابقة معايير الجمال الجديدة. وهنا تظهر مفارقة الحداثة الجمالية: إذ تعزز حرية الاختيار ظاهريا، لكنها تعيد إنتاج الهيمنة الثقافية في شكل جديد أكثر خفاء وتغلغلا.
إن تحولات التجمل في ظل الحداثة والعولمة تكشف عن عبور مزدوج: من المحلي إلى العالمي، ومن الجماعي إلى الفردي، ومن الطقس إلى السوق. بهذا، تصبح الزينة المعاصرة ممارسة معولمة، لكنها مفرطة التخصيص، تدار ذاتيا وتراقب رمزيا، وتعيد تشكيل العلاقة بين المرأة وجسدها في ظل اقتصاديات الجمال الجديدة.
التجمّل بين الطبقات الاجتماعية: تفاوت في المعايير وانتقائية رمزية
رغم ما يوحي به التجمّل كفعل إنساني عام من شمولية أو حيادية طبقية، إلا أن الممارسات الجمالية تظل مشروطة بالبنية الطبقية والاجتماعية التي تنتمي إليها المرأة. فالتجمّل، شأنه شأن أنماط الحياة الأخرى، يتخذ أشكالا مختلفة تبعا للرأسمال الاقتصادي والثقافي والرمزي المتوفر لكل فئة، ويتحول بالتالي إلى مرآة تظهر تفاوتات البنية الاجتماعية المغربية.
تظهر الملاحظة الميدانية أن نساء الطبقات الشعبية غالبا ما يعتمدن على مواد تقليدية منخفضة التكلفة، مثل الحناء، الكحل البلدي، الأعشاب، صبغات الشعر المنزلية، في حين تنزع نساء الطبقة الوسطى إلى المزج بين بعض المنتجات الصناعية والممارسات التقليدية، كما يلجأن إلى مراكز التجميل في المناسبات أو بشكل دوري، حسب الإمكانات. أما نساء الفئات النخبوية، فيرتبط التجمّل عندهن بثقافة استهلاكية عالية، تتجلى في العلامات التجارية العالمية، خدمات التجميل الراقية، عمليات التجميل، ومتابعة أحدث الصيحات العالمية، وهي أنماط محمولة على تمثل جمالي معياري غربي الطابع.
هذا التنوع لا يعبر فقط عن اختلاف في القدرة المادية، بل أيضا عن اختلاف في المرجعيات الجمالية، فبينما تتقاطع الزينة الشعبية مع مفاهيم الستر والمناسبات، تتقاطع الزينة النخبوية مع مفاهيم التميز والتفرد والتموقع الاجتماعي.
التجمّل الانتقائي: ذكاء نسائي في التفاوض الجمالي
في ظل هذه التفاوتات، لا تخضع المرأة المغربية بالكامل لنموذج واحد، بل تمارس ما يمكن تسميته بـالتجمّل الانتقائي، أي أنها تختار وتركب بين ما هو تقليدي وحداثي، بين ما هو محلي ومستورد، وبين ما هو متاح وما هو مرغوب، وفقا لتموقعها داخل الحقل الاجتماعي. هذا الاختيار لا يتم بعشوائية، بل يخضع لمنطق التكيف مع الموارد المتاحة، والحرص على الانخراط الرمزي في معايير الجماعة المرجعية (الحي، الوسط المهني، شبكة العلاقات…).
فتجد مثلا نساء من الطبقات الشعبية يقبلن على بعض مستحضرات التجميل المقلدة ذات العلامات الفاخرة (ماركات عالمية مزيفة) كوسيلة للانتماء الرمزي إلى فئة أعلى. كما نجد نساءً من الطبقة المتوسطة يلجأن إلى دمج الزينة التقليدية في الأعراس مع اللباس العصري، كوسيلة للحفاظ على أصالة رمزية، مع التموقع داخل حداثة ممكنة. في حين تحرص النخب النسائية على التميز عبر الابتعاد عن المألوف الشعبي، واختيار علامات نادرة أو تجميل طبيعي الشكل – عالي الكلفة.
استنادا إلى بورديو، فإن الجمال هنا لا يعد حياديا، بل يستخدم كآلية لإعادة إنتاج التمايز الطبقي. إذ يصبح شكل الجسد، نوع الزينة، والعناية بالمظهر أدوات رمزية للتمييز بين من يملك رأس المال الثقافي أو الاقتصادي ومن لا يملكه. وتبنى عبرها طبقية جمالية جديدة، قد تكون أكثر قسوة لأنها لا تصرح، بل تمارس في الصمت عبر نظرات، أحكام، وتصنيفات اجتماعية غير معلنة.
تبين ممارسات التجمّل في المغرب أن الجمال ليس لغة موحدة، بل حقل اجتماعي تعاد داخله صياغة الفروقات الطبقية، وتمارس فيه استراتيجيات التموقع الاجتماعي. والزينة، بهذا المعنى، ليست مجرد تزيين، بل أداء طبقي مشفَّر يعبر من خلاله عن الانتماء أو التطلع أو حتى المراوغة داخل منظومة اجتماعية ذات هرمية صارمة.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر