التجمّل النسائي في المغرب: من الامتثال الاجتماعي إلى التعبير الفردي (الجزء الثالث)

التجمّل والرقابة الاجتماعية: بين الامتثال، الاتهام، والمقاومة الصامتة

رغم ما يبدو عليه التجمّل من طابع شخصي أو جمالي محض، إلا أن الجسد المتجمَّل يظل دائما موضوعا لرقابة اجتماعية صارمة، تمارس عبر شبكات غير مرئية من التقييم، والضبط، والتصنيف. فالمجتمع المغربي، بتعقيداته الثقافية والدينية والجندرية، لا يترك الزينة الأنثوية تمارس بحرية مطلقة، بل يخضعها لمنظومة من المشروعية الرمزية التي تضبط متى تكون الزينة مقبولة، ومتى تتحول إلى استفزاز أو انحراف.

تمارس المؤسسات الاجتماعية – من الأسرة، والحي، والمدرسة، والعمل، إلى المسجد – أشكالا مختلفة من الرقابة على جسد المرأة المزيَّن، تفاضل بين ما يُعتبر زينة محتشمة وزينة فاضحة. فالماكياج الخفيف قد يقبل في بعض الأوساط، بينما يعد الماكياج الصارخ أو اللباس الضيق خروجا عن الأنوثة المقبولة أو الاحترام. هذه التقييمات لا تعبر عن تفضيلات فردية، بل عن آليات اجتماعية تعيد إنتاج الضبط الجندري، حيث يقاس سلوك المرأة بناء على توافقه أو تضاربه مع ما يريده المجتمع منها بوصفها امرأة صالحة.

من منظور نسوي ناقد، يمكن قراءة هذه الرقابة بوصفها آلية ذكورية للضبط الرمزي، حيث تختزل المرأة في جسدها، وتطالب بأن تكون جميلة – لكن بحدود! مثيرة – لكن منضبطة! ظاهرة – لكن غير صاخبة! وهذه المفارقة تضع النساء في موقف هش، حيث تستخدم الزينة ليس كأداة للتعبير، بل كمقياس للامتثال أو الانحراف. وهو ما يجعل من التجمّل ساحة دائمة للتوتر بين رغبة المرأة في تملك جسدها، ورغبة المجتمع في التحكم فيه.

في هذا السياق، تعيد النظرية النسوية مثل أعمال Sandra Bartky وSusan Bordo) التأكيد على أن التجمّل لا يمارس في فراغ، بل داخل بنى هيمنة جندرية، تحول الجسد الأنثوي إلى واجهة رقابة ذاتية تمارس فيها المرأة الضبط على نفسها، خوفا من الوصم أو الإقصاء.

المرأة بين التجمّل والرقابة الرقمية: انكشاف الجسد المؤنث في زمن المنصات

أدى بروز المنصات الرقمية (فيسبوك، إنستغرام، تيك توك…) إلى مضاعفة الرقابة على الجسد النسائي، حيث أصبحت صور النساء المتجمّلات تخضع لتعليقات المجتمع الافتراضي: ماكياجها صارخ، لباسها مستفز، تحب الاستعراض، تافهة، مهووسة بالمظاهر… إلخ. ورغم أن هذه المنصات قد تتيح للمرأة مساحة للظهور والتعبير عن الذات، إلا أنها في الآن ذاته تعيد إنتاج خطاب أخلاقي تقويمي يخلط بين التجمّل والتفاهة أو الانحراف، خصوصا إذا لم تكن الزينة موجهة نحو الزوج أو المناسبة، بل نحو جمهور افتراضي أوسع.
هذا التوتر الرقمي بين حق المرأة في التجمّل”واتهامها بـالاستعراض يكشف عن استمرار حضور العين الاجتماعية حتى في أوساط تبدو فردية أو شخصية. وهو ما يثبت أن التحول التكنولوجي لا يلغي الرقابة، بل يعيد تشكيلها بأدوات جديدة.

إن التجمّل في السياق المغربي لا يمارس بحرية مطلقة، بل يخضع لمنظومة معقدة من الرقابة الجندرية الرمزية، تضع المرأة في مفترق بين الرغبة في التزين، والخوف من الوصم. وهكذا يتحول الجسد المتجمّل إلى فضاء للتفاوض اليومي بين السلطة والمعنى، بين الامتثال والمقاومة

الجسد الأنثوي المتجمّل بين سلطة التزيّن ورقابة النظرة الاجتماعية

في تحليله لكيفية اشتغال السلطة داخل الجسد، يرى ميشيل فوكو أن الجسد ليس كيانا طبيعيا فقط، بل ساحة لتقاطعات القوى، حيث تمارس عليه الرقابة، وتنتج عبره المتعة، ويعاد من خلاله تشكيل العلاقات الاجتماعية. ويظهر هذا التوتر بوضوح في ظهور الجسد الأنثوي المتجمّل في الفضاء العام، وخاصة في السياق المغربي الذي يتميز بتعقيد العلاقة بين التقاليد، الحداثة، والديناميات الجندرية.

حين تخرج المرأة إلى الشارع أو إلى الفضاء المهني وهي في كامل زينتها، يتحوّل جسدها – بوعي أو دون وعي – إلى موقع نظر اجتماعي تتقاطع فيه أنماط متعددة من التفسير: هل تتزين لتعجب؟ لتغري؟ لتعبر عن ذاتها؟ أم لتندمج في المعايير الحديثة للمظهر؟ وهنا يتقاطع الجمال مع السلطة: السلطة التي يملكها الجسد في جذب الانتباه، ولكن أيضا السلطة المجتمعية في تأويل هذا الجسد، الحكم عليه، أو حتى التحرش به.

فالجسد المتجمّل يستدعى اجتماعيا بصفته جسدا عاما، لكن هذا الظهور لا يمر دون نظرة رقابية أخلاقية/جندرية، تعيد إنتاج مفاهيم المرأة المحترمة مقابل المرأة المتحررة، والزينة المقبولة مقابل الاستفزاز. هذه الثنائية تمثل شكلا من أشكال العنف الرمزي غير المعلن، كما أشار بيير بورديو، حيث يتم تطويع الجسد وفقا لسلطة النظرة الاجتماعية.

الزينة الأنثوية في الفضاء العمومي: بين التعبير الذاتي وإعادة إنتاج الرقابة الاجتماعية

يشهد المغرب اليوم انتشارا متزايدا لثقافة الموضة والماكياج في الفضاءات العامة (الشارع، الجامعات، المؤسسات، مواقع التواصل…)، فيما يشبه انتقال الزينة من المجال الحميمي إلى المجال العمومي. فظهور المرأة بكامل أناقتها ومكياجها في المدرسة أو العمل لم يعد محصورا في المناسبات، بل أصبح جزءا من أداء يومي للهوية.هذا التحول ليس بسيطا، لأنه يعيد تشكيل معنى الحضور النسائي في الفضاء العمومي، ويطرح تساؤلات حول حدود التعبير الجسدي: هل الجسد المتجمّل تعبير عن فردانية متحررة؟ أم هو محاولة لإثبات الذات داخل سوق رمزي تنافسي؟ أم هو ببساطة أداء يومي لحاجة نفسية وجمالية لا تخلو من التناقضات؟

في عصر الرقمنة، لم يعد الفضاء العمومي مقتصر على الشارع أو المؤسسات، بل توسع ليشمل الفضاء الرقمي، حيث تحضر المرأة بصورها، إطلالاتها، ومكياجها أمام جمهور واسع. غير أن هذا الحضور – رغم كونه اختيارا ذاتيا – يعيد إنتاج الرقابة الاجتماعية في شكل أكثر كثافة، إذ تتحول صور التجمّل إلى مادة للتقييم، السخرية، المقارنة، أو التشييء.وفي المقابل، تحاول بعض النساء استخدام هذا الحضور الجمالي كسلاح رمزي للمقاومة والتعبير عن الذات، من خلال إعادة تعريف الجمال وفقا لمعاييرهن، أو كسر الصورة النمطية عبر مكياج جريء، أو إطلالة خارجة عن المألوف.

يتحول الجسد الأنثوي المتجمّل في الفضاء العام إلى مساحة للصراع الرمزي والاجتماعي، حيث تتقاطع فيه المتعة، الرقابة، السلطة، والتمثيل. وتظهر هذه الدينامية كيف أن الزينة – رغم طابعها الفردي – تظل مشروطة ببنى اجتماعية وثقافية تحدد معنى الظهور وشرعيته. فالجسد، حين يزيّن، لا يخرج إلى الفضاء العام خفيفا، بل محملا بكل ثقل التقاليد، التوقعات، والرغبة في التفاوض مع الواقع.

على سبيل الختم

لم يعد التجمّل في المجتمع المغربي مجرد ممارسة يومية تعنى بالجمال أو تحسين المظهر، بل أصبح مرآة دقيقة تعكس تحولات المجتمع العميقة، على المستويات الجندرية، الطبقية، الرمزية، والاقتصادية. فمن خلال تطور معايير الزينة، وتعدد أشكالها، واختلاف معانيها بين الأجيال والطبقات، يمكن قراءة العبور المعقد من مجتمع تقليدي قائم على الطقس والضبط الجماعي، إلى مجتمع حديث تتنافس فيه رموز الفردانية، السوق، والظهور.
في هذا السياق، يُمكن اعتبار التجمّل ممارسة تفاوضية بامتياز، حيث تحاول المرأة – عبر جسدها المتجمّل – التكيف مع النظام الرمزي للنوع الاجتماعي الذي يملي عليها ما يجب أن تكونه، لكنها في الآن ذاته تعيد عبر هذا الجسد نفسه إنتاج ذاتها، وصياغة هويتها، واختبار حدود الامتثال والمعارضة.فهي حين تضع الكحل أو أحمر الشفاه، لا تفعل ذلك فقط لتعجب أو تجذب، بل لتسمِع صوتا صامتا عن موقعها داخل المجتمع، عن تموقعها داخل أو خارج القوالب الجاهزة للأنوثة، وعن قدرتها على صناعة المعنى في زمن اختلط فيه المحلي بالعالمي، والتقليدي بالعصري.

وبهذا، يمكن القول إن التجمّل لا يقرأ فقط من سطحه الجمالي، بل من عمقه الاجتماعي، بوصفه فعلا مشحونا بالدلالة، تواصليا، مقاوما أحيانا، ومكشوفا دائما أمام نظرة المجتمع. إنه أداة صامتة لفهم كيف تتحرك المرأة، لا في مرآة الغرفة، بل في مرآة المجتمع.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز