التجمّل النسائي في المغرب: بين العنف الرمزي والمقاومة الناعمة – سوسيولوجيا الجسد كفضاء تفاوضي (الجزء الخامس)

في السياق المغربي، كما في مجتمعات أخرى، لم يعد التجمل مجرد حرية جمالية، بل صار ساحة تضبط فيها المرأة ذاتها ضمن إكراهات لا مرئية، تتشكل في:
• الإعلانات التي تروج لصور معيارية للجمال (بشرة فاتحة، جسد نحيف، شعر مصفف….)
• المؤسسات التعليمية والدينية التي تكرس تمثلات متناقضة: من جهة تمجد المرأة المهذبة المتزينة، ومن جهة تدين التبرج.
• وسائل التواصل الاجتماعي التي تعيد تشكيل معايير التقبل والانجذاب عبر ثقافة “الإعجابات” و”المتابعات”، مما يعيد إنتاج رأسمال جمالي رقمي يرسخ قيم الامتثال.
مأزق الأنثى: “مطلوبة دائمًا، مُدانة دائمًا”
إن المرأة في هذا السياق تجد نفسها داخل مأزق تأويلي مزدوج، فهي إن تجملت أكثر من اللازم وصفت بـ”السطحية”، “السوقية”، أو حتى “الانحلال”. ، وإن أهملت مظهرها وصفت بـ”غير الأنثوية”، “المهملة”، أو “المنفّرة”.وهنا تظهر دينامية العنف الرمزي في أوضح صورها، حيث تسجن المرأة داخل تمثيلات متناقضة لكنها جميعا تحاكم الجسد الأنثوي من موقع سلطوي، حتى حينما تتخفى تلك السلطة خلف “الذوق” أو “الموضة” أو “الحياء”.
التنشئة الاجتماعية كآلية استبطان للهيمنة:
يلعب النظام التعليمي، والأسرة، والخطاب الديني دورا أساسيا في إنتاج “الهابيتوس الأنثوي”، بتعبير بورديو، أي أن المرأة تربى على تمثل جسدها كموضوع نظر وتقييم، فيتحول التجمل من اختيار فردي إلى واجب ثقافي، ومن تعبير عن الذات إلى مؤشر على الانضباط القيمي.
الجمال كخضوع “طوعي”
ما يجعل هذا النوع من العنف أكثر خطورة، هو أنه يمارس دون وعي بكونه عنفًا. فالمرأة قد تعتبر خضوعها لهذه المعايير حرية شخصية، بينما هو في الواقع شكل من أشكال الإخضاع الرمزي المعمّم.وقد لخصت سيمون دو بوفوار ذلك بدقة حين قالت:”المرأة لا تُولد امرأة، بل تُصبح كذلك.”
إن المعايير الجمالية المفروضة على المرأة ليست محايدة، بل هي أدوات ضبط اجتماعي وهيمنة رمزية تمارس تحت غطاء الحرية الشخصية، في حين أنها تنتج داخل شبكة خطابية معقدة، تموقع المرأة في وضعية محاكمة دائما أيّا كانت اختياراتها، فهي دائما موضع تقييم. وهو ما يجعل من التجمل النسائي في السياق المغربي حقلا من العنف الرمزي الممأسس، لا مجرد سلوك جمالي.

من زاوية مغايرة، يمكن قراءة التجمّل النسائي اليوم كـفعل مقاومة ناعم، تمارسه النساء، لا بوصفه تماهيا مع معايير الجمال النمطية، بل باعتباره وسيلة لإعادة تعريف الذات، وكسر احتكار التمثيل الذكوري للجسد الأنثوي. فالمرأة، من خلال التحكم في مظهرها، تفاوض صورتها في المجال العمومي، وتعيد رسم موقعها في الفضاء الاجتماعي، خصوصا في الحواضر المغربية الكبرى التي تشهد ديناميات متسارعة للعولمة والتمدين.
للتجمل النسائي زاوية نقدية مغايرة وضرورية لفهمه، لا كمجرد امتثال أو خضوع للهيمنة الرمزية، بل كفعل فاعل ومسؤول يعكس إرادة ذاتية في التفاوض مع السلطة الرمزية والتمثلات النمطية. إنه مقترح لتجاوز القراءة الضحية للمرأة، نحو تصور أكثر تركيبا يعترف بـفاعليتها الرمزية داخل فضاءات الهيمنة ذاتها.
التجمّل كـمقاومة ناعمة
في هذا الإطار، يمكن أن نفهم التجمل النسائي اليوم بوصفه استراتيجية تملّك للجسد، تمكن المرأة من استعادة السيادة على صورتها، وممارسة رمزية لإعادة رسم الهوية داخل حقل اجتماعي يضج بالتمثلات الأبوية، في أشكال وأداءات تفاوضية يعيد تشكيل العلاقة مع السلطة، لا من خارجها، بل من داخل رموزها الجمالية.كما تقول جوديث بتلر، فإن “الذات تنتج داخل الخطاب، لكنها أيضا تفاوضه، وتعيد تشكيله”، وهنا يظهر التجمل كفعل إعادة كتابة للجسد الأنثوي ضد التنميطات الذكورية. لتؤكد أن الهوية الجندرية ليست ماهية ثابتة، بل تبنى عبر الأداء المتكرر، مما يفتح الباب لتفكيك النمط من داخله.

الحواضر المغربية الكبرى كفضاء تفاوضي
تشكل المدن المغربية الكبرى مجالا خصبا لتحولات المعايير الجمالية والاجتماعية، حيث تتقاطع ثقافة العولمة (عبر الموضة، الإعلانات، مواقع التواصل الاجتماعي….)، في ظل إرث ثقافي محافظ، وضمن سياق تمديني متسارع يفرز طبقات وسطى جديدة، أكثر اتصالا بالخطابات الكونية حول الجسد والحرية والهوية.وفي هذه المدن تحديدا، تظهر المرأة كـفاعلة رمزية جديدة، تمارس التجمل لا كتقليد، بل كموقف رمزي يعيد التفاوض حول تمثلات الأنوثة.
مقاومة داخلية لا ثورية
إنها مقاومة ناعمة، غير صاخبة، وغير أيديولوجية بالضرورة، لكنها عميقة الأثر، لأنها تزعزع الحدود الفاصلة بين العفة والتبرج، بين الحياء والظهور. تحدث Michel de Certeau عن الفعل اليومي كاستراتيجية مقاومة، حيث تمارس الهيمنة من الأعلى، لكن تقاوم من الأسفل بأفعال صغيرة، يومية، وغير مركزية.
كما تعيد صياغة العلاقة بين المرأة ونظرة الآخر الذكوري، لتنتج معايير جديدة للقبول الاجتماعي، أكثر اتساعا وتنوعا.ولذلك، فالتجمل هنا لا يقرأ فقط كاستجابة، بل كـردّ ناعم على السلطة الرمزية الذكورية. ففي دراساتها حول “الأنثوية ما بعد النسوية”، ترى Angela McRobbie أن النساء يستعملن أدوات الجمال والإعلام ليس فقط للامتثال، بل لإعادة تعريف ما تعنيه الأنوثة المعاصرة.
قد يظهر التجمل كأداة خفية للهيمنة، فإن هذا المنظور المغاير يضيء كيف يمكن للمرأة أن تحوّل أداة الهيمنة إلى أداة للتفاوض والمقاومة. فالتجمل، في السياق المغربي الحضري المعولم، لم يعد مجرد مظهر، بل صار أداء ثقافيا يعكس صراعا على الرمزية والمكانة والاعتراف، ويعبر عن تحول الجسد من موضوع للضبط إلى وسيلة لإعادة التمثيل.
بالاعتماد على المقاربات السوسيولوجية النقدية، يمكن تحليل التحول في ممارسات التجمّل النسائي داخل المجتمع المغربي كمسار معقد يتجاوز ثنائية التحرر/الخضوع، ويكشف عن شبكة متداخلة من التفاوض الرمزي، والهيمنة الاجتماعية، والمقاومة الناعمة. فبينما ظل جسد المرأة، تاريخيا، مجالا مشحونا بالرمزية ومقيدا بمنظومات العرف والدين، فإن التحولات المجتمعية خلال العقود الأخيرة – بفعل التمدين، العولمة، التعليم، وتوسّع المجال العمومي – أعادت رسم العلاقة بين المرأة وجسدها، وبين التجمل والتمثلات الجماعية.
ومع ذلك، لا يعني هذا الانفتاح تحررا مطلقا من الضوابط، بل هو بالأحرى تحول تفاوضي معقد، تعاد فيه صياغة الحدود بين “الحرية الفردية” و”المعايير الجمعية”، وبين “الاختيار الجمالي” و”الرقابة الاجتماعية”.في هذا السياق، يظهر العنف الرمزي، كما نظّر له بيير بورديو، كإطار مركزي لفهم كيف يفرض على النساء نماذج معينة للجمال ليس بوصفها اختيارات حرة، بل كأدوات هيمنة ناعمة تستبطن منذ التنشئة الاجتماعية، وتعاد إنتاجها عبر الإعلانات، والمؤسسات التربوية، والخطابات الدينية.
هذا التوتر بين الهيمنة والمقاومة، بين الضبط والانعتاق، هو ما يجعل من التجمل النسائي ظاهرة سوسيولوجية غنية، لا تختزل في بعدها الجمالي، بل تنخرط في شبكة من الرموز والمعاني والتفاعلات. كما لاحظ إرفينغ غوفمان، فإن التجمّل هو جزء من إدارة الانطباع، حيث تقدم المرأة ذاتها ضمن أدوار اجتماعية محكومة بسياقات التلقي والتأويل، مما يجعل كل اختيار جمالي عرضة للمساءلة أو الوصم، ويحوّل الجسد إلى نص اجتماعي مفتوح على التأويل والتموقع.
في المحصلة، لا يمكن فهم التجمّل النسائي اليوم إلا باعتباره حقلًا رمزيًا للصراع والتفاوض: صراع بين الذات والجماعة، بين التقاليد والحداثة، بين الحق في الظهور وخطر التشييء، بين الاعتراف والوصم. وهو ما يستدعي تحليلا مركبا يتجاوز النظرة الاختزالية، ويقر بوجود فاعلية نسائية ضمن شروط الهيمنة نفسها، حيث تتحول أدوات الضبط أحيانا إلى وسائل تعبير ومقاومة، ويتحول الجسد من موضوع للرقابة إلى مساحة لإعادة التمثيل.
ورغم ما يبدو من تحرر ظاهري، فإن التجمل الأنثوي لا يزال حبيس تمثلات متضادة: فهو من جهة، تعبير عن الاعتناء بالذات وتأكيد للوجود الفردي، ومن جهة أخرى، قد يستخدم كمعيار للمفاضلة والوصم والتصنيف الاجتماعي، كما لاحظ ذلك إرفينغ غوفمان في تحليله للهوية الاجتماعية وآليات “الإدارة الرمزية للانطباع.
إن سوسيولوجيا التجمل النسائي في المغرب لا تفهم إلا بربطها بالبنيات العميقة التي تنتج التمثلات الاجتماعية للجمال، وبالتحولات القيمية الكبرى التي تشهدها البنيات العائلية، وأنماط التدين، وممارسات التنشئة. ومن هنا، فإن الجسد المتجمّل ليس مجرد سطح مرئي، بل هو نص اجتماعي مفتوح على التأويل، تتصارع فيه القوى، وتعاد فيه كتابة الحدود بين الامتثال والحرية، بين الهيمنة والمقاومة، بين الهوية الفردية والانتماء الجمعي.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز