شهد المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة تحولات نوعية وعميقة في تمثلات الجسد الذكوري، حيث انتقلت ممارسات التجميل التي كانت تعتبر حكرا على المجال الأنثوي إلى فضاء الجسد الرجالي. أصبح الجسد الذكوري محط اهتمام ورعاية متزايدة، انعكست في انتشار استخدام مستحضرات التجميل، وتبني تقنيات تصفيف الشعر المبتكرة، والعناية بالبشرة، بالإضافة إلى التأثر المتزايد باتجاهات الموضة العصرية.
هذا التحول لا يقتصر على الممارسات اليومية فقط، بل امتد إلى فضاءات الإعلام التقليدي والرقمي، حيث بات الجسد الرجالي مادة للعرض، النقاش، والمراجعة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تعيد صياغة معايير الجمال والرجولة عبر مقاييس جديدة تتسم بالمرونة والتعددية.
يطرح هذا التطور أسئلة جوهرية حول الحدود المتغيرة للرجولة في السياق المغربي، إذ يشوش على المعاني التقليدية المرتبطة بالصلابة، الاحتشام، والهيبة التي طالما شكلت الإطار المرجعي للذكورة. كما يدعو إلى إعادة النظر في كيف يتم بناء الهوية الذكورية ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تتفاعل مع عوامل العولمة، التحديث، والتغيرات في القيم.
إن هذه التحولات تفتح المجال أمام فهم الرجولة كظاهرة متغيرة، متعددة الأوجه، ودينامية، تعكس التوترات بين الموروث الثقافي والضغوط الحديثة، وتستلزم تحليلات ميدانية ونظرية متعمقة لفهم كيفية استيعاب الأفراد لهذه التغيرات وتفاوضهم معها.
التجمّل الرجالي كعلامة على تحوّل المفهوم الذكوري
في الثقافة المغربية التقليدية، ارتبطت الرجولة بسمات واضحة تتمثل في الصلابة، الخشونة، واللامبالاة تجاه الجسد كعنصر زينة أو تجميل، على اعتبار أنه الإطار الثقافي والسلوكي المتجذر في التجربة الاجتماعية، إذ يشكل قاعدة تحدد ملامح الهوية الذكورية، فترسخ معايير صارمة للرجولة ترفض الانشغال بالمظهر أو التفاصيل الجمالية.
غير أن هذا الإطار الثقافي السلوكي التقليدي شهد اختراقا تدريجيا، متأثرا بصعود الفردانية، وتوسع العولمة الثقافية التي جلبت معها قيما جديدة ترتكز على التعبير عن الذات، والاعتناء بالجسد، والانفتاح على التنوع في معايير الجمال. في هذا السياق، صار الجسد الرجالي يعاد تشكيله كوسيلة معبرة عن هوية الفرد وشخصيته، وليس مجرد حامل رمزي للسلطة الذكورية التقليدية.
ومع أن هذا التحول يتجذر بصورة أكبر في المدن الكبرى حيث تتلاقى مع التنوع الثقافي والاقتصادي، إلا أنه لا يزال يواجه مقاومة شديدة من البنيات الاجتماعية التقليدية، التي ترى في التجمّل الرجالي نوعًا من التأنث أو إخلالا بالحدود الثقافية للرجولة. هذه المقاومة تعبر عن صراع رمزي بين القيم المحافظة التي تحافظ على الهيمنة الثقافية القديمة، وبين القيم الحديثة التي تعلي من قيمة التنوع والتعبير الفردي.هكذا، يصبح التجمّل الرجالي مجالا حيويا لفهم التفاعلات والتوترات بين الحداثة والتقليد، وبين التغيرات الثقافية والتمسك بالمرجعيات التقليدية في المغرب المعاصر.
تفاعلات التجمّل مع الرأسمال الرمزي والطبقي
تتداخل ممارسات التجمّل الرجالي مع البنى الطبقية والثقافية لتصبح مرآة تعكس الصراعات الاجتماعية والهوية الطبقية في المجتمعات الحضرية. فالطبقات الاجتماعية ليست فقط متميزة بالوضع الاقتصادي، بل تمتد الفوارق إلى المجالات الرمزية والثقافية، حيث تتجلى في أنماط التجمّل، اختيارات الملابس، وحتى إدارة الجسد. وفقا لنظرية بيير بورديو حول “الذوق”، يمكن فهم التجمّل كنوع من رأس المال الرمزي الذي يستعمل لتمييز الذات والانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة.
في السياقات الحضرية الشابة، يصبح التجمّل بمثابة ممارسة استعراضية تبرز الرغبة في التمايز الاجتماعي، حيث ينظر إليه كدليل على الرقي والموضة والقدرة على استثمار الموارد الاقتصادية في العناية بالجسد والمظهر. في المقابل، في أوساط اجتماعية أخرى، قد ينظر إلى التجمّل كخروج عن المألوف أو تمرد على القيم التقليدية المرتبطة بالرجولة. هذا التوتر يعكس صراعا بين نموذج “الرجولة التقليدية” الذي يقوم على قيم الصلابة وعدم المبالاة بالمظاهر، ونموذج “رجولة حديثة” يعلي من قيمة المظهر والعناية بالنفس.
يصبح الجسد الرجالي، بهذا المعنى، موقعا للصراع الرمزي بين الطبقات الاجتماعية، حيث تتنافس التصورات المختلفة حول الهوية والذات الاجتماعية. كما يعكس التجمّل تفاعلات مع نظام التمييز الاجتماعي، إذ تستخدم الطبقات الوسطى والعلوية التجمّل كأداة لإعادة إنتاج التفوق الثقافي، بينما قد يوصم في الطبقات الأدنى أو المحافظين بالسطحية أو التفكك الاجتماعي.
علاوة على ذلك، يمكن قراءة هذه الممارسات ضمن سياق العولمة الثقافية التي تدخل نماذج جديدة للهوية والموضة، مما يجبر الأفراد على التفاوض بين القيم المحلية التقليدية والانفتاح على أنماط استهلاكية حديثة. هذا التفاوض يعكس صراعا بين التجديد والتمسك، ويبرز الديناميات الاجتماعية التي تعيد تشكيل هوية الذكورة في المجتمعات المعاصرة.
في ضوء هذه الأفكار، يمكن القول إن التجمّل الرجالي لا يعد مجرد فعل جمالي أو فردي، بل هو فعل اجتماعي يتضمن تمثلات معقدة حول الطبقة، السلطة، الهوية، والتغيير الثقافي، مما يستدعي مقاربة نقدية متعددة الأبعاد لفهمه ضمن السياق الاجتماعي الأوسع.
الشقاق بين الديني والحداثي في تمثل الجسد الرجالي
يمثل التجمّل الرجالي نقطة التقاء صراع ثقافي عميق بين المرجعيات الدينية المحافظة التي تكرّس صورة الذكر الموقر، المحتشم، والمتزن، وبين الثقافة الكونية المعاصرة التي تعزز صورة الرجل الأنيق، المعتني بمظهره، الجذاب، وأحيانًا المستفز. هذا التوتر لا يقتصر على مظهر خارجي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى صميم التمثلات الاجتماعية حول ما تعنيه الرجولة.
في المجتمع المغربي، حيث تحافظ القيم الدينية والتقاليد الاجتماعية على وزن ثقافي قوي، تعتبر الرجولة مرتبطة بالاحتشام، الصلابة، والالتزام بالأعراف الدينية والأخلاقية. ضمن هذا السياق، ينظر إلى التجمّل المبالغ فيه أو المظهر “الغربي” أحيانا على أنه خروج عن مسار الرجولة “الصحيحة” أو حتى خطر يهدد القيم المجتمعية. هذا التناقض يولد في الذهنية الذكورية حالة من الصراع الداخلي، حيث يجد الشاب نفسه مضطرا للتنقل بين توقعات متعددة ومتضاربة: المحافظة على صورة الرجل التقليدي، وفي الوقت نفسه الرغبة في التعبير عن الذات والتماهى مع أنماط جمالية عالمية تروّج للأناقة والتجديد.
ينتج عن هذا التوتر “توتر رمزي”يفضي إلى ما يمكن تسميته بـ”الرجولة المتعددة” أو “الرجولة المركبة”، حيث لا توجد صورة واحدة للذكورة، بل تتوزع عبر مستويات مختلفة من الانتماءات والتجارب الشخصية والاجتماعية. في بعض الحالات، يُمكن أن يكون التجمّل وسيلة للمقاومة الثقافية أو إعادة بناء للذات في مواجهة القوالب الجامدة، وفي حالات أخرى يُحتمل أن يُنظر إليه كتمرد أو انزلاق عن قيم الرجولة التقليدية.
يضاف إلى ذلك دور الإعلام والتقنيات الرقمية التي تنقل نماذج متنوعة ومتعددة للرجولة من ثقافات مختلفة، مما يوسع من مجال الاختيارات ولكنه يضاعف في الوقت ذاته من معاناة التشتت والاضطراب في الهوية. يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال إطار نظرية غوفمان في إدارة الانطباع، حيث يحاول الفرد بناء صورة ذاتية مقبولة في فضاءات اجتماعية مختلفة، مما يعكس صراع الهوية بين الثقافات المحلية والعالمية.
اختراقات “الجندر الثالث” وتشويش الحدود الجندرية
تعد ظاهرة بروز أنماط تعبيرية غير تقليدية عن الذكورة، مثل ما يطلق عليه أحيانا “الجنس الثالث” أو التعبيرات الجندرية المزدوجة، انعكاسا لتغيرات عميقة في أنماط الهوية الجندرية داخل المجتمعات التقليدية كالمرتبطة بالمغرب. هذه الظواهر تعبر عن محاولة لتجاوز الثنائيات الجندرية الجامدة التي طالما هيمنت على تصورات الذكورة والأنوثة، لتقديم نموذج أكثر تعقيدا وانفتاحا على التنوع.
من الناحية الجمالية، تتقاطع بعض ممارسات التجمّل الرجالي في هذه الحالة مع ممارسات مرتبطة بالأنوثة أو الغموض في المظهر، مثل اعتماد ألوان، أو قصات شعر، أو أساليب لباس تميل إلى تجاوز الفروق الجندرية الواضحة. هذا التقاطع يثير غالبا ردود فعل نقدية أو وصمًا في أوساط محافظة، حيث يعتبر خروجا عن القيم الدينية والاجتماعية التي تربط الرجولة بالصلابة والوضوح.
ورغم ذلك، تمثل هذه الأنماط تحديا رمزيا مهما للحدود التقليدية للجندر، إذ تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مرونة الهوية الذكورية ومدى قابليتها للتوسع والتغير في ظل ضغوط العولمة والتقارب الثقافي. فهي تكشف عن أبعاد جديدة للصراع الرمزي بين الرغبة في التعبير الحر والاختلاف، وبين المحاولات المجتمعية للتمسك بالثوابت الثقافية.
يمكن قراءة هذه الظاهرة من منظور التحليل النقدي للجندر، الذي يرى أن الهويات الجندرية ليست ثابتة أو بيولوجية بحتة، بل هي منتوج اجتماعي وثقافي يتفاوض عليه الأفراد والجماعات عبر الزمن والمكان. وهكذا، تبرز أنماط التجمّل هذه كمساحات للمقاومة الثقافية وإعادة تعريف للرجولة في السياق المغربي المعاصر، رغم التحديات التي تواجهها من وصم أو نقد.
وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء لتصعيد رمزية الجسد الرجالي
أدت المنصات الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، إلى تحوّل جذري في صورة الجسد الرجالي بوصفه مادة قابلة للاستهلاك، التقييم، والتفاعل الجماهيري. لم يعد الجسد رجلا مجرد إطار بيولوجي أو رمز للهيبة والصمت، بل صار عنصرا من عناصر العرض البصري الذي يشكّل جزءا من “الهوية الافتراضية” التي ينشئها الفرد عبر فضاءات رقمية عامة وخاصة.
في هذا السياق، أصبح الرجال المؤثرون (influencers) على منصات مثل إنستغرام وتيك توك يشاركون تفاصيل روتينهم التجميلي، أساليب ملابسهم، وحتى حركاتهم اليومية بطريقة استعراضية تهدف إلى بناء علامة شخصية خاصة تعكس ذوقهم، قيمهم، وموقعهم الاجتماعي. هذه الممارسات تستند إلى منطق بصري بحت، يعتمد على الجذب والاهتمام، ويعيد صياغة معايير الرجولة التقليدية التي كانت تركز على “الاحتشام” و”الهيبة”.
ينتج عن هذا التحول بروز “رجولة مرئية” تعلي من قيمة التعبير المفتوح والظهور العلني، وتحفز على الانخراط في ثقافة الاستهلاك الرمزي، حيث يصبح المظهر والستايل أداة لإثبات الذات وتحقيق الرضا الاجتماعي، حيث يتحول الجسد إلى مسرح يعرض عليه “أداء” مستمر للرجولة يتجاوز الحدود التقليدية.
في السياق المغربي، يلتقي هذا التحول مع صراعات ثقافية واجتماعية بين قيم محافظة وأخرى حديثة منفتحة على العولمة، مما يجعل التجمّل الرجالي على المنصات الرقمية ساحة جديدة لصراعات الهوية والتمثلات الجندرية، ويُفتح نقاشا حول أثر الثقافة الرقمية على إعادة تعريف الذكورة.
تؤكد سوسيولوجيا التجمّل الرجالي في المغرب أن مفهوم الرجولة لم يعد ظاهرة جامدة أو متجانسة ضمن إطار ثابت، بل صار مجالا مفتوحا للتفاوض، الصراع، والتوتر بين متغيرات متعددة. هذا المفهوم يتوسط بين الحداثة والتقليد، حيث تتلاقى فيه رغبات الشباب المغربي في التعبير عن الذات والتماهي مع أنماط جمالية حديثة، مع قناعات مجتمعية عميقة متجذرة في المرجعيات الدينية والثقافية المحافظة.
يبرز هذا التوتر أيضا في التداخل بين الجمال والمعيار، إذ تتصارع تصورات متعددة حول ما يعتبر “جميلا” أو “مناسبا” في التعبير عن الذكورة، فبينما تنحو بعض الفئات إلى تبني مفاهيم تجميلية مستحدثة تستند إلى قيم استهلاكية معولمة، تظل فئات أخرى متمسكة بمعايير تقليدية تربط بين الجمال والاحتشام والهيبة.
فضلا على ذلك، فإن سوسيولوجيا التجمّل تكشف عن بروز الجندر ليس فقط كفئة بيولوجية تحدد الهوية بناء على الجنس البيولوجي، وإنما كموقع اجتماعي مركب يتفاوض عليه الأفراد والجماعات ضمن هياكل اجتماعية وثقافية متغيرة. فالجندر كموقع اجتماعي يسمح بفهم الأدوار، التمثلات، والانتماءات التي تتجاوز البيولوجيا لتشمل الأبعاد الثقافية، الرمزية، والسياسية.
إن بروز هذه الممارسات التعبيرية والجدليات المرتبطة بها لا يعد مجرّد موضة عابرة أو ترفا جماليا، بل هو مؤشر دال على تحولات بنيوية عميقة في تركيبة النوع الاجتماعي داخل المغرب المعاصر. هذه التحولات تفرض إعادة نظر نقدية في نظريات الجندر والهوية، وتستلزم دراسات ميدانية تفاعلية تكشف كيف تتشكل وتُعاد تشكيل الهوية الذكورية في ظل تحديات الحداثة والعولمة، والتقاليد المحلية.
د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر