سوسيولوجيا التجمّل الرجالي في المغرب: بين الطبقة، الهوية، والصراع الرمزي (الجزء الخامس)

يشكل التجمّل الرجالي في المجتمع المغربي ظاهرة سوسيولوجية معقدة تتقاطع فيها متغيرات الطبقة الاجتماعية، المكانة، القيم الأسرية والمجتمعية ضمن سياق متحول تفرضه ديناميات ثقافية حديثة، وتحولات سوق الموضة والجمال، وتوسع تمثلات الفرد عن ذاته. لم يعد الاهتمام بالمظهر حكرا على النساء أو فئة عمرية محددة، بل صار مطلبًا يشترك فيه فئات مختلفة من الرجال، بدرجات متفاوتة من التبني أو التحفظ، تبعا للانتماءات الطبقية، أنماط التنشئة الاجتماعية، وأفق التطلعات الفردية.

من منظور بورديو السوسيولوجي، لا يفهم التجمّل الرجالي كممارسة جمالية فحسب، بل كأداة لإعادة إنتاج المكانة الاجتماعية والتموقع الطبقي. ففي الأوساط العليا، يتخذ التجمل شكلا “شرعيا” مرتبطا بعلامات تجارية فاخرة، وأساليب عناية دقيقة بالبشرة والجسد، مما يشكل رأسمالا رمزيا يمكن الفرد من تعزيز حضوره الاجتماعي والمهني. أما في الأوساط الشعبية، فقد يفسر التجمل المفرط كخروج عن نموذج الرجولة التقليدية، أو كتهديد للقيم الأخلاقية والدينية، فتتحول المظاهر الجمالية إلى محور صراع بين المحافظة ومتطلبات الحداثة.

تلعب القيم الأسرية دورا حاسما في هذه العملية، حيث تنتج الأسرة تصورات متباينة عن الرجولة؛ بين من يرى في العناية بالمظهر تعبيرا مشروعا عن الهوية الذكورية، وبين من يعتبرها ترفا أو تشويشا على الهوية الجندرية، خاصة فيما يتعلق بممارسات مثل إزالة الشعر، استعمال مستحضرات التجميل، أو ارتداء ملابس ضيقة وملونة، التي تحفز نقاشات مجتمعية حول الحدود المقبولة.كما يتجلى التوتر بين الأجيال، إذ تميل الأجيال الشابة إلى إعادة تعريف الرجولة بمرونة أكبر، بينما تتمسك الأجيال الأكبر بأساليب تقليدية تربط بين التجمّل والضعف أو الانحراف الجنسي، مما يفضي إلى مقاومة عبر التهكم، التشهير، أو العنف الرمزي لضبط الانحرافات.

لكن التجمّل الرجالي يعكس في الوقت ذاته دينامية اجتماعية تكشف تحولات أعمق، إذ يعيش المجتمع المغربي جدلا متشابكا بين رغبة الفرد في التميز والاندماج في شبكات رمزية حديثة، وبين سلطة الجماعة المحافظة، مما يجعل التجمّل ميدانا للصراع بين الحداثة والتقليد، الفردانية والضبط الاجتماعي، الانفتاح والهوية.في المحصلة، تطرح سوسيولوجيا التجمّل الرجالي أسئلة جوهرية حول تقاطعات السلطة والهوية والطبقة والقيم، وتعيد مساءلة مفهوم “الطبيعي” و”المقبول” في تمثلات الجسد الذكوري المغربي، مما يفتح النقاش حول ما إذا كنا أمام ولادة “رجولة جديدة” أم إعادة تدوير لنماذج قديمة بأقنعة حديثة.
لم يكن التجمّل الرجالي في المجتمع المغربي ظاهرة سطحية أو مجرد انشغال بالمظهر الخارجي فحسب، بل هو ممارسة اجتماعية محمّلة بدلالات رمزية عميقة تعكس تفاعلات معقدة بين الطبقة الاجتماعية، المكانة، القيم، والتصورات المتشابكة حول الذكورة، الرجولة، والهوية. فلطالما ارتبط التجمّل والاهتمام بالجمال بصورة تقليدية بالنساء، إلا أن بروز أنماط متزايدة من العناية الجمالية بين الرجال قد أعاد خلط الأوراق، وخلق حالة من التوتر بين ما يعتبر مقبولا ومرفوضا، بين التقليدي والحداثي، وبين الذكوري والثابت والمتحول.هذا التوتر لا يقتصر على الجوانب الفردية فحسب، بل هو تجسيد لصراع رمزي أوسع داخل المجتمع حول معاني الهوية الجندرية، والحدود التي ترسم الذكورة، وما إذا كانت قابلة للتغيير والتفاوض أم أنها ثوابت لا يجب المساس بها.

التجمل كعلامة على الصعود الطبقي وإعادة تشكيل المكانة

في السياق الحضري المغربي، يأخذ التجمّل الرجالي منحى طبقيا واضحا، حيث يلاحظ إقبال الفئات الوسطى والعليا، وخاصة الشباب الحاصلين على تعليم عالي والمنفتحين على الثقافات الغربية والخليجية، على استخدام مستحضرات العناية بالبشرة، واعتماد قصات شعر حديثة، وارتداء إكسسوارات تعزز من المظهر، بل ويتجاوز الأمر أحيانًا إلى خضوع بعضهم لعمليات تجميل بسيطة.

هذا التحول ليس مجرد اهتمام بالمظهر الخارجي، بل هو تعبير رمزي عن إعادة إنتاج الذات، حيث يسعى الأفراد من هذه الفئات إلى تمييز أنفسهم طبقيا واجتماعيا، عبر توظيف “رأسمال الجمال الرجالي” كوسيلة لتعزيز موقعهم في دوائر النفوذ والنجاح. بهذا الشكل، يصبح الجسد أداة للتواصل الاجتماعي وللتمييز الطبقي، متماهيا مع أنماط حياة راقية تجمع بين الذوق الرفيع والطموحات الفردية في مجتمع متغير.

التجمّل الرجالي بين القيم الأبوية والمجتمعية

في المقابل، ينظر إلى نمط التجمّل الرجالي السالف ذكره في أوساط أخرى، لا سيما في المجتمعات المحافظة والقروية أو بين الفئات التي تتمسك بتصورات تقليدية للرجولة، كعلامة على “تفكك الرجولة” أو “تأنث الذكر”. تعكس هذه النظرة حضورا قويا للقيم الأبوية التي تربط الرجولة بالخشونة، والبساطة، وحتى الإهمال الجسدي المتعمد، كتعبير عن الصلابة والهيبة.

في هذه السياقات، يعاد تأطير ممارسات التجمّل باعتبارها انحرافا عن المعايير الأخلاقية والدينية، وتهديدا للنظام الرمزي الذي يرسّخ ثنائية صارمة بين “رجل” و”امرأة”. يصبح التجمّل إذا، من منظور هذه المجتمعات، مسألة تتجاوز الجمال لتتحول إلى اختبار للوفاء للمعايير الاجتماعية والثقافية، مما يخلق صداما بين قيم المحافظة ومتطلبات التحديث والحداثة.

حدود القبول والمقاومة: من التماهي إلى النبذ

يرتبط القبول الاجتماعي للتجمل الرجالي بحدود معينة: ما لم يتجاوز “الاعتدال” أو ما لم يخترق الرموز الدينية والثقافية، يبقى مقبولا نسبيا، خاصة إن اقترن بالنجاح المهني أو المكانة الاقتصادية. غير أن تجاوز هذه الحدود – سواء عبر المبالغة في الزينة أو التماهي مع أنماط أنثوية أو غير نمطية – غالبا ما يؤدي إلى النبذ أو السخرية أو التشكيك في الهوية الجنسية للفرد. من هنا، يصبح التجمل ساحة للتفاوض الاجتماعي حول “ما يجب أن يكون عليه الرجل”، بين من يرى فيه تحديثا ضروريا للصورة الذكورية، ومن يعتبره خيانة لقيم الرجولة الأصيلة.

التقاطعات مع الحريات الفردية والمواطنة الجمالية

ضمن السياقات الجديدة التي تصاغ فيها مفاهيم الحرية الفردية، والحق في الجسد، والهوية الجمالية، يظهر التجمل الرجالي كتعبير عن تمرد هادئ على الضوابط التقليدية، وكجزء من نزعة أوسع نحو “المواطنة الجمالية” التي تطالب بحق الرجل – كالفرد – في تجميل نفسه، دون وصاية مجتمعية. ويعيد هذا النقاش ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة، بين القيم الموروثة والتحولات القيمية الناشئة.
يطرح التجمل الرجالي في السياق المغربي إشكاليات عميقة تتجاوز مجرد العناية بالمظهر الخارجي لتلامس البنية الرمزية للرجولة نفسها. فإلى أي مدى يعيد هذا السلوك تشكيل مفهوم الرجولة في مجتمع ظل لوقت طويل يربط الذكورة بالخشونة والبساطة والابتعاد عن الممارسات الجمالية المرتبطة تقليديا بالأنوثة؟ وما حدود التقبل أو الرفض لهذا التحول داخل الطبقات الاجتماعية المختلفة، حيث قد ينظر إليه في الأوساط الحضرية المتأثرة بالحداثة والعولمة كرمز للانفتاح والفردنة، بينما يقابل في الأوساط القروية أو التقليدية بالريبة والرفض باعتباره خرقا لمنظومة القيم الموروثة؟
إن هذا التحول لا يقف عند المظهر فحسب، بل ينعكس على توازنات النوع الاجتماعي ومفاهيم القوة والهيمنة، إذ يعيد توزيع الرمزي منها داخل الفضاء الاجتماعي. فهل يشكل التجمل الرجالي إحدى المداخل لإعادة التفاوض حول الأدوار الجندرية، أم أنه مجرد استهلاك ثقافي لا يغير من جوهر التراتبيات القائمة؟ والأهم من ذلك، هل يمكن اعتباره مؤشرا على تصدع منظومة الهيمنة الذكورية التقليدية، أم مجرد تعبير فردي عن تنوع أشكال الهوية الجنسية في ظل عولمة الرموز الثقافية وتزايد سلطة الإعلام الرقمي؟
بهذا المعنى، يصبح التجمل الرجالي مدخلا خصبا للبحث السوسيولوجي في التوترات الراهنة بين التقليد والحداثة، بين الثبات والتحوّل، وبين السلطة الذكورية وإمكانيات إعادة تعريفها داخل المجتمع المغربي.
إن التجمل الرجالي ليس مجرد تغيير في المظهر، بل هو ممارسة اجتماعية، تنتج وتعيد إنتاج المعاني والتراتبيات الطبقية والرمزية، وتضع الذكورة المغربية تحت مجهر التغيير، ما يستدعي تفكيكا سوسيولوجيا عميقا، يأخذ بعين الاعتبار تشابك البنى الاقتصادية، والثقافية، والنفسية، والرمزية التي تؤطر هذه الظاهرة.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

عن موقع: فاس نيوز