البودشيشية في مواجهة ادعاءات بيان التنازل (تنازل المُكره لا يجوز)

تنازل المكره لا يجوز

تعرض الإمام مالك رضي الله عنه لإمتحان كبير وصل إلى حد جلده سبعين جلدة، مما تسبب في خلع كتفه. وتم جره في شوارع المدينة المنورة إلى أن أغمي عليه من فرط التعذيب الذي لحقه والذي أمره به والي المدينة آنذاك جعفر بن سليمان. وسبب هذا التنكيل هو رفض الإمام مالك التراجع عن فتواه في عدم جواز طلاق المكره وثباته على موقفه، مما زاد من مكانته أمام الناس وخلد التاريخ موقفه. بينما ذهب من قاموا بتعذيبه إلى غياهب النسيان وملاقاة الله تعالى بما فعلوه بأحد كبار علماء المسلمين.

واليوم، نشر موقع إلكتروني وثيقة سربتها له “مصادر مطلعة” معونة ببيان” تحمل تاريخ 27 غشت 2025، وتضمنت أن موقع تلك الوثيقة السيد منير القادري بودشيش يعبر عن كامل استعداده للتعاون مع أخيه معاذ في مهمته شيخا في أمور الظاهر والباطن للطريقة القادرية البودشيشية، ويهنئه على توليه هذه المهمة الإحسانية المباركة، وأنه سيظل وفيا لتوجيهات وتعليمات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وخادما وفيا لتوجيهات وتعليمات صاحب الجلالة نصره الله، خادما وفيا للثوابت الدينية والوطنية.

من الناحية الشكلية فلا يمكن أن يكون الأسلوب الذي كتب به البيان هو أسلوب الدكتور سيدي منير الحائز على ثلاث شهادات دكتوراه وعدة ديبلومات وعدد من المناصب العلمية الراقية، ولكم أن ترجعوا إلى مداخلاته العلمية المتعددة المنشورة في مختلف المواقع الوطنية والدولية ليتضح لكم استحالة صدور مثل هذا البيان الركيك عنه. ويتضح من الأسلوب الذي كتب به وعدم ضبط هوية أطرافه ولا السياق الذي كتب فيه بأن تمت كتابته على عجل، وكأن من كتبه تكفيه تلك الجمل التي ستمكنه من قطع الطريق أمام سيدي منير لتولي مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية كما أوصى بذلك والده وجديه قدس الله سرهم.

ورغم خطورة هذه الوثيقة وانعكاساتها على إحدى أهم الطرق الصوفية بالمغرب والخارج، فإنه لن تمنح حتى فرصة المصادقة على الإمضاء الوارد بها لإعطائها الصفة الرسمية، علما أن الشيخين الجليلين صادقا على وصيتيهما بانتقال السر وتعيين من ستؤول إليه المشيخة عن طريق محررات عرفية مصادق على إمضاءها، ومن هنا يتأكد الإستعجال في حصول جهة ما على هذه الوثيقة كيفما كان شكلها.

ومن ناحية أخرى، فالبيان يحمل اعترافا من سيدي منير بأخيه معاذ كشيخ للطريقة، وهو ما كان يستلزم إبراز أسباب وظروف تراجع سيدي منير عن تحمل أمانة تولي المسؤولية التي أوصى بها وحملها له شيوخه من قبل.

من المفارقات أن نفس الموقع الإلكتروني نشر في 11 غشت 2025 تحت عنوان “كلمة شيخ الطريقة القادرية البودشيشية”، تسجيلا لسيدي منير يبرز من خلاله خارطة الطريق التي يزمع اتباعها في عهده. ثم نشر ذات الموقع خبرا بتاريخ 13 غشت 2025 تحت عنوان “الغموض يلف مشيخة البودشيشية”، وفيها حديث عن جدل قيادة الزاوية القادرية البودشيشية وتداول المريدين لنفي تنازل شيخ الطريقة القادرية البودشيشية منير القادري بودشيش عن المشيخة لصالح أخيه معاذ. لتنشر بتاريخ 16 غشت 2025 خبرا تحت عنوان “الفراك: الزوايا تحتاج التجديد والدمقرطة” وهو حوار مع “أكاديمي” يثير من خلاله أن زاوية من حجم معتبر تحتاج إلى مؤسسات وقيادة مؤسساتية وشورى ودمقرطة مؤسسة الزاوية، وه الخطاب الذي يتماهى مع المخطط الوارد في الرسالة التي كان قد بعثها المريد/وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى الشيخ الراحل للزاوية سيدي جمال الدين قدس الله سره.

ومن هنا يثار التساؤل، ما الذي دفع سيدي منير خلال مدة أسبوعين من وفاة والده إلى العدول عن مواقفه وتصريحاته كشيخ للطريقة القادرية البودشيشية والتخلي ضمنيا عنها لفائدة أخيه الأصغر؟ كيف أثيرت قضية التنازل على مستوى وسائل الإعلام قبل ثمانية أيام من تحرير هذا البيان؟

الأكيد أن هناك معطيات حاضرة وأخرى لا يمكن الحديث عنها الآن تصب في اتجاه واحد، أن الأمر يتعلق بضغط وحرب نفسية كبيرة مورست من جهات متعددة على سيدي منير وذلك للحيلولة دون توليه مشيخة الطريقة القادرية. وهنا نستحضر رسالة المريد/الوزير الموجهة إلى سيدي منير بتاريخ 26/10/2022 والتي أبدى من خلالها معارضته لتوجهاته حول الطريقة، طالبا منه عدم الإستعجال بأن يفهم بكونه الشيخ بعد والده، وأن يتخلى عن فكرته في استعجال المشيخة، وأن الطريق في حاجة إلى انسحابه التام سواء على صعيد المغرب أو على صعيد الخارج، بينما يحذر من انسحاب معاذ وأنه يخشى أن يمرض عدد من الفقراء في نفوسهم ويتسللون تباعا ولن يبقى في الطريقة إلا طلاب الدنيا، ليتضح من خلال هذه الرسالة تفضيله لمعاذ على حساب سيدي منير.

للتذكير، فسيدي منير تعرض ولا يزال لحملات ممنهجة عبر وسائل إعلام منحازة ومواقع اجتماعية مسته في كرامته وشرفه وذمته المالية، وكالت له اتهامات باحتجاز والده والتآمر عليه رغبة في خلافته، واتهامات فكرية وعقائدية، ونذكر منها رسالة وجهتها شخصية فرنسية جزائرية إلى السيد وزير الأوقاف الشؤون الإسلامية تدعو من خلالها السلطات المغربية إلى التدخل لضمان تكلف طبي، وهي الرسالة التي تم نشره مضمونها والتعليق عليها في الجريدة الإلكترونية ماروك إيبدو.

وقد بدأت هذه الحملة الإعلامية الممنهجة – والممهدة لتقبل مريدي الطريقة القادرية البودشيشية لتنحي وارث السر سيدي منير – مباشرة بعد إلقاء سيدي جمال قدس الله سره لكلمته بمناسبة الذكرى الثامنة لوفاة والده سيدي حمزة قدس الله سره بتاريخ 18 يناير 2025، والتي أشهد خلالها شيخ الطريقة، الله وملائكته ورسله وأنبياءه وأولياءه بأنه أوصى بالسر لإبنه البار مولاي منير من بعده، وأوصى أبناءه وأحفاده الشرفاء والشريفات ومريدي ومريدات الطريقة المباركة بتجديد العهد مع وارثه الأوحد والمأذون الأرشد، وبتعظيم رابطة الإحسان بين قلوبهم وبين مولاي منير، وبالتشبث به، وأن يكونوا له سندا وعونا وظهيرا، وبالتكاتف والتآخي وجعل سيدي منير مجمع توحيد صفوفهم.

كل هذه الحملات والضغوط الكبيرة استعرت أكثر مباشرة بعد انتقال شيخ الطريقة سيدي جمال قدس الله سره، مما يؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، بأن هذا البيان الركيك أسلوبا والغير المقبول شكلا قد انتزع توقيعه تحت الإكراه، فما هو موقف الشرع والقانون من ذلك؟

الإكراه لغة هو حمل الغير على ما لا يرضاه قهرًا، وفي اصطلاح الفقهاء حمل الغيرِ على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو ترك ونفسه. والإكراه حالة من حالات الضرورة التي وضعت لها الشريعة أحكاماً استثنائية خاصة بها، حيث راعت حال المستكره، والضغط الذي يتعرض له بسبب الإكراه، فرفع عنه الإثم، وأبطل حكم كثير من تصرفاته تخفيفاً ورحمةً به. فإذا أكره شخص على عقد، أو على إقرار، أو على يمين أو غير ذلك لم يلزم المكره شيء كما هو معمول به في المذهب المالكي، مستدلين بقوله عز وجل “إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان”، وقوله تعالى ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”، وقوله تعالى “ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم”، وقوله تعالى “ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء”، وقوله تعالى “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”، وقوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها”.

كما استدلوا بقول رسول االله صلى االله عليه وسلم “لا طلاق ولا عتاق في إغلاق” والإغلاق هو الإكراه، وبقوله صلى االله عليه وسلم “رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه”.

أما في القانون المغربي فقد صنف الإكراه ضمن عيوب الرضى، وجرى تعريفه بأنه “إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه.” (الفصل 46 من قانون الإلتزامات والعقود)، ويخول إبطال الإلتزام “إذا كان هو السبب الدافع إليه، وإذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير مع مراعاة السن والذكورة والأنوثة وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم.” (الفصل 47 ق.ل.ع)، كما أن الإكراه يخول إبطال الالتزام وإن لم يباشره المتعاقد الذي وقع الاتفاق لمنفعته (الفصل 49 ق.ل.ع)، و”الإكراه يخول الإبطال، ولو وقع على شخص يرتبط عن قرب مع المتعاقد بعلاقة الدم” (الفصل 50 ق.ل.ع).

باستحضار هذه النصوص القانونية، والحملات الإعلامية الممنهجة، والضغوطات الكبيرة، وتوقيع البيان بعد أسبوعين من وفاة شيخ الطريقة والد سيدي منير، والشكل المتسرع والغير المتقن الذي صيغ به البيان، كل هذه المعطيات تؤكد أن الجهات الضاغطة تعمدت إحداث اضطراب نفسي لدى سيدي منير مما أثار فيه خوف من تعرض نفسه وشرفه وماله لضرر كبير.

 قد يقول قائل كيف يحدث هذا الخوف لشيخ حامل للسر الرباني؟ الجواب هو تلك الطبيعة البشرية التي لا تفارقنا، ألم يبد سيدنا يعقوب عليه السلام خوفه على ابنه يوسف عليه السلام من أن يأكله الذئب إن ذهب به إخوته، ألم يخف سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى “ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون”، أو ليس الخوف ابتلاء من الله كما في قوله تعالى “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”. ألم يشعر الرسول صلى الله عليه بالخوف أول ما نزل عليه الوحي؟ فعن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه – وهو التعبد – الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: “ما أنا بقارئ”، قال: “فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني”، فقال: اقرأ، قلت: ما “أنا بقارئ”، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: “ما أنا بقارئ”، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ”، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: “زملوني زملوني”، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: “لقد خشيت على نفسي”، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”. وهي ظروف مشابهة لتحمل مولاي منير رضي الله لأمانة تسيير الطريقة القادرية البوشيشية بما تعنيه من ثقل المسؤولية، ووقوع الإكراه الذي تعرض له خلال هذه الفترة الدقيقة والهامة من حياته.

وقد استقرت محكمة النقض على إبطال الالتزامات المشوبة بالإكراه، ونذكر منها القرارات التالية:

“الإكراه المبطل للرضا إنما يتحقق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – بتهديد المتعاقد المكره بخطر محدق بنفسه أو بماله أو بإستعمال وسائل ضغط أخرى لا قبل له بإحتمالها أو التخلص منها ويكون من نتيجة ذلك حصول رهبة تحمله على الإقرار بقبول ما لم يكن ليقبله اختياراً، وأن تقدير وسائل الإكراه ومبلغ جسامتها وتأثيرها على نفس المتعاقد والترجيح بين البينات والأخذ بقرينة دون أخرى هو من الأمور الموضوعية التى تستتقل بالفصل فيها محكمة الموضوع ولا رقابة عليها فى ذلك لمحكمة النقض متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة تكفى لحمله” (الطعن رقم 2479 لسنة 54 جلسة 1988/12/07)

“إن كان يشترط فى الإكراه الذى يعتد به سبباً لإبطال العقد أن يكون غير مشروع وهو ما أشارت إليه المادة 127/1 من القانون المدني إذ نصت على أنه “يجوز إبطال العقد للإكراه إذا تعاقد شخص تحت سلطان رهبة بعثها المتعاقد في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس”، مما مفاده أنه يجب في الرهبة أن يكون المكره قد بعثها في نفس المكره بغير حق، وعلى ذلك فإن الدائن الذى يهدد مدينه بالتنفيذ عليه إنما يستعمل وسيلة قانونية للوصول إلى غرض مشروع ، فلا يعتبر الإكراه قد وقع منه بغير حق – إلا أنه إذا أساء الدائن استعمال الوسيلة المقررة قانوناً بأن استخدمها للوصول إلى غرض غير مشروع كما إذا استغل المكره ضيق المكره ليبتز منه ما يزيد عن حقه، فإن الإكراه في هذه الحالة يكون واقعاً بغير حق ولو أن الدائن قد اتخذ وسيلة قانونية لبلوغ غرضه غير المشروع، وذلك على ما صرحت به المذكرة الإيضاحية للقانون المدني” (الطعن رقم 365 لسنة 38 جلسة 1974/01/02).

“الأجير الذي أدلى باستقالته وهو بمخفر الشرطة نتيجة شكاية قدمت من طرف المشغل يجعله في حكم المستقيل اضطراريا، لأن إرادته جاءت معيبة بأحد عيوب الرضى وهو الإكراه” (القرار عدد 1244 الصادر بتاريخ 26/09/2013 في الملف الاجتماعي عدد 993/5/2/2012).

كل هذه المعطيات الشرعية والقانونية تؤكد بطلان البيان الذي تم نشره سواء وقع عليه سيدي منير أم لم يوقع عليه لأنه مشوب بعيب الإكراه.

لكن، هل يمكن لشخصية مثل شخصية الدكتور سيدي منير أن يوقع على هذا البيان الخطير لمجرد تعرضه للإكراه، أم أن هناك ملابسات أخرى حملته على ذلك؟

بالرجوع إلى البيان نجد فيه أن موقعه “سيظل وفيا لتوجيهات وتعليمات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده وخادما وفيا لتوجيهات وتعليمات صاحب الجلالة نصره الله”، ويهنئه على توليه هذه المهمة، فهل تم تولية معاذ حقيقة لمنصب شيخ الطريقة؟  وهل هناك تعليمات وتوجيهات ملكية في الموضوع؟

ما ورد في البيان يؤكد ما يروجه معاذ والمحيطين به من أنه تولى المشيخة بناء على تعيين من أمير المؤمنين نصره الله. إلا أن الواقع يكذب هذا الادعاء، فظهير التعيين يصدر عبر بلاغ من وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة، ويتم نشره من خلال وكالة المغرب العربي للأنباء، وقد يحظى الشخص المعين باستقبال ملكي كما حدث مع الشيخ الراحل سيدي جمال قدس الله سره. وتأكد من خلال البيان أنه تم تبليغ سيدي منير بوجود توجيهات وتعليمات ملكية بتعيين معاذ شيخا للزاوية، فما كان منه إلا الإمتثال لها، رغم أنه لم يصدر إلى الآن أي بلاغ يؤكد التعيين المذكور، وبالتالي تم التدليس على سيدي منير لدفعه إلى توقيع البيان.

“والتدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان، أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه، قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر. ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به.” (الفصل 52 ق.ل.ع)، وهكذا يتضح أنه تم اللجوء إلى حيلة وجود تعيين ملكي لفائدة معاذ كشيخ للطريقة، وقام بها هذا الأخير رفقة المتواطئين معه، وبالتالي لم يكن بإمكان سيدي منير أن يخالف التعيين الملكي المزعوم، وهو الأمر الذي يجعل من هذا البيان باطلا لإستعمال التدليس إلى جانب الإكراه للحصول عليه.

وحتى على فرض عدم وجود أي إكراه أو تدليس في البيان، فإن تلك الوثيقة ليست إلا تعبيرا عن حسن نوايا ولا يترتب عنها أي التزام قانوني، إذ تصت على استعداد للتعاون دون إبراز أوجهه. والتعاون مطلوب من الطرفين، وبرفض أي طرف القيام به فإن بيان حسن النوايا يسقط بدوره ويصبح لاغيا. وبالفعل، فإن قيام معاذ بعد تاريخ هذا البيان بدفع عدد ممن يعملون معه والمحيطين به إلى مهاجمة سيدي منير عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتسجيلات الصوتية والتي تتضمن تشهيرا ومسا بالحياة الشخصية، وهو ما يؤكد تورطهم في أفعال إجرامية تشكل جنحا يعاقب عليها القانون.

وإذا كان مضمون هذا البيان صحيحا، فإن جميع مريدي ومريدات الزاوية القادرية البودشيشية العامرة في مختلف ربوع المملكة وخارجها يخطرون بأن سيدي منير حفظه الله ورعاه تعرض لضغوطات وتدليس من جهات متعددة، وأنه واجه إكراها شديدا وتدليسا أثرا على حريته وإرادته في اتخاذ القرار، وتؤدي هذه الظروف إلى أن أي تنازل صادر في هذه المرحلة يكون فاقدا للصلاحية الشرعية والروحية، إذ لا يقوم على اختيار حر ولا على اقتناع كامل، وهما الشرطان الأساسيان لصحة أي انتقال للأمانة أو المسؤولية، كما أن مثل هذا التنازل لا يمكن اعتباره نقلا حقيقيا للمسؤولية أو للأمانة الروحية، بل يصبح مجرد إجراء شكلي يخلو من المضمون الروحي الحقيقي، ولا يغير من الالتزامات الأصلية للوصية أو العهد الموروث.

ومن ثم، فإن أي تأثير يصدر عن هذه الضغوط لا ينتج أثره الشرعي أو الاجتماعي، ويظل العهد السابق قائما لضمان استمرار وحدة الجماعة، والحفاظ على الثقة بين الشيخ وأتباعه، ومنع اختلال التوازن الروحي والاجتماعي الذي يعد من صميم مهمة القيادة الروحية، ويوضح هذا البيان أهمية التوقف عند مسألة ” التنازل المكره عليه” إذ يعتبر أي تنازل يصدر تحت الإكراه باطلا ولا يعترف به، مهما كانت الظروف المحيطة أو النصوص الرسمية المصاحبة له، ويظل العهد الأصلي والوصية السابقة قائمة، حماية للحقوق الروحية والاجتماعية وضمانا لاستمرارية المسؤولية تجاه الجماعة.

ويتضح أن النصوص الشرعية والروحية تشير صراحة إلى أن ما أكره عليه الفرد لا يحتسب من أعماله، وأن الأمانة لا تسلم إلا لمن اختارها بحرية. وعليه، فإن أي تصرف صادر تحت الإكراه والتدليس، حتى ولو صيغ في بيان، لا ينتج أثره ويظل العهد الأصلي نافذا، ويجب المحافظة على المبادئ التي تضمن استمرارية السند الروحي والمجتمعي، وأن القيادة الروحية لا يمكن أن تمنح بالإكراه والتدليس، بل تعتمد على أهلية الشخص واستعداده الداخلي، وهو ما يضمن استمرار التوازن بين الواجبات الروحية والاجتماعية.

وتضاف إلى ذلك أن الغاية من نقل المسؤولية أو الأمانة ليست مجرد تصرف شكلي، بل تهدف إلى تحقيق وحدة الجماعة، واستمرار السند الروحي، وتحقيق المصلحة العامة، وأي تنازل بالإكراه أو التدليس يهدد هذه الغايات، ويؤدي إلى فقدان الثقة بين من يحوز المنصب وبين الجماعة التي تخضع له، ويحول القيادة إلى مظهر شكلي بلا مضمون حقيقي.

ويلاحظ أن المنصب الروحي والواجب المرتبط به يتضمنان التزاما حقيقيا اتجاه الجماعة، إذ يشمل الإرشاد والتربية والاهتمام بالأتباع، وهي مسؤوليات لا يمكن نقلها بالقسر، فأي تدليس أو تنازل مكره عليه يبطل هذا النقل ويترك المسؤولية الأصلية قائمة، بينما يظل نص البيان وثيقة تعبير عن حسن النية، لكنه لا يغير حقيقة المسؤولية ولا يفرغها من مضمونها.

وتركز المقاصد على الغاية من كل تصرف، إذ أن أي حكم شرعي لا يقيم إلا إذا حقق المصلحة ودرأ المفسدة، وهذا ينطبق على التنازل المكره عليه والمدلس فيه، فإذا صدر التنازل تحت الإكراه أو التدليس، فإنه يخرج عن الهدف الأصلي من نقل الأمانة أو المسؤولية، لأن الغاية من الاستخلاف في المناصب الروحية أو المعنوية هي حفظ الدين، واستمرار السند التربوي الصحيح، وحماية وحدة الجماعة، وتحقيق المصلحة العامة، أي تنازل بالقسر يهدد هذه الغايات، ويجعل القيادة الروحية أو المسؤولية مجرد إجراء شكلي بلا مضمون، بما يخل بالمصالح العامة ويضر بالسند الروحي.

وبالرجوع إلى العبادات، فهي قائمة على النية الصادقة والاختيار الحر للمكلف، وأي فعل تعبدي لا ينبع من اقتناع كامل أو إرادة حرة لا يحتسب ولا يعتد به، ويشمل هذا المبدأ أي تنازل يتعلق بالمهام أو المسؤوليات الروحية، التي تعد نوعا من العبادة العملية، إذ إن نقل الأمانة أو المنصب الروحي يعد عملا عباديا مرتبطا بخدمة الدين والناس لذلك، لا يصح أن يتم هذا التنازل بالقسر أو الإكراه، إذ أن ذلك يفقده مشروعيته ويحوّل العمل التعبدي إلى إجراء شكلي فارغ من قيمته الروحية.

ويكتسب البعد الصوفي والعرفاني في هذا السياق أهمية خاصة، إذ أن الأمانة الروحية والمسؤولية عن الجماعة ليست مجرد منصب إداري أو اجتماعي، بل هي عهد باطني مرتبط بالقلوب والنفوس، ويستلزم إخلاص النية وصدق الاختيار، فالتنازل المكره عليه لا يقتصر أثره على الجانب القانوني أو الشرعي فحسب، بل يخل بالتوازن الروحي الداخلي للشيخ والمريدين، ويعرض الجماعة لانقطاع السند الروحي الذي يربط القلوب بالحق.

إن الشيخ الموصى له بالسر لا يملك حق التخلي عن هذه الأمانة الربانية والتي لا تنتقل إلا بعد خروج الروح ولا تقبل التنازل عنها، والوصية التي تطوق عنق الشيخ الحي ملزمة لباقي من ورد ذكرهم في الوصية، إذ أوصى شيخنا الراحل قدس الله سره أبناءه وأحفاده الشرفاء والشريفات ومريدي ومريدات الطريقة المباركة بتجديد العهد مع وارثه الأوحد والمأذون الأرشد، وبتعظيم رابطة الإحسان بين قلوبهم وبين مولاي منير، وبالتشبث به، وأن يكونوا له سندا وعونا وظهيرا، وبالتكاتف والتآخي وجعل سيدي منير مجمع توحيد صفوفهم. فالإلتزام بما ورد في الوصية لا يهم وارث السر فقط والشيخ الحالي سيدي منير بل هو ملزم لأبناء الشيخ الراحل جميعا بما فيهم معاذ، ولأحفاده ولجميع الشرفاء والشريفات، ولجميع المريدين، وبالتالي فإن الشيخ الراحل حينما أمر جميع هؤلاء بتجديد العهد مع سيدي منير، وتعظيم رابطة الإحسان معه، وبالتشبث به، وبأن يكونوا له سندا وعونا وظهيرا، وبجعله مجمع توحيد صفوفهم، مما يترتب عليه أن هذا البيان غير ملزم لباقي المخاطبين بالوصية حتى ولو لم يشبه أي تدليس أو إكراه، وهو والعدم سواء بالنسبة إليهم، وأن عليهم تجديد العهد مع سيدي منير فهو شيخهم الأوحد، الدال على الله والموصل إليه، ولا يمكنهم في حياته أن يعاهدوا شيخا غيره.

وقد أكد مريدوا الطريقة عبر مختلف البيانات التي أصدرتها زوايا المغرب والخارج – والتي لا زالت تتقاطر إلى الآن – تجديدهم للعهد مع بشارة العارفين سيدي مولاي منير شيخهم المربي والدال على الله، وتشبثهم الراسخ بما جاء في وصية العارف بالله سيدي جمال قدس الله سره، وأن سيدي منير هو وارث سر هذه الطريقة المخصوص به.

وفي الختام، فإن الجمع بين الأبعاد الشرعية والفقهية والصوفية يوضح أن التنازل المكره عليه والمدلس لا يعتد به على الإطلاق، وأن الرضا والإرادة الحسنة والنية الصادقة هي شروط أساسية لاستمرارية الأمانة الروحية والاجتماعية، وحفظ التوازن بين الواجبات الدينية والأخلاقية والاجتماعية، ليظل نص البيان بمثابة إعلان عن حسن النية، لكنه لا يغير حقيقة العهد الأصلي ولا يفرغ المسؤولية من مضمونها الروحي.

عن موقع: فاس نيوز