في سياق التطورات الدبلوماسية الأمريكية تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، شهدت منطقة شمال إفريقيا تطورًا مفاجئًا قد يغير مسار النزاعات الإقليمية: السعي النشط لإبرام اتفاق سلام بين المغرب والجزائر. أعلن هذا المبادرة في 20 أكتوبر 2025، مما يعكس النهج الدبلوماسي غير التقليدي المبني على الصفقات السريعة الذي يميز سياسة ترامب تجاه النزاعات العالمية. يقود هذا الجهد المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بدعم من جاريد كوشنر، ويهدف إلى حل عقود من التوتر في إطار زمني ضيق يبلغ 60 يومًا، وهو ادعاء جريء وسط تاريخ من المفاوضات المتعثرة. يستعرض هذا التقرير أصول الإعلان، أدوار المبعوثين، السياق التاريخي للخصومة، ردود الفعل من الأطراف المعنية، والتداعيات المحتملة، مستندًا إلى مقابلات أولية وبيانات دبلوماسية وتحليلات حديثة لتقديم نظرة شاملة.
الإعلان: جدول زمني للسلام خلال 60 يومًا
كان السبب الرئيسي لهذا الاهتمام مقابلة موسعة على برنامج “60 دقيقة أوفرتايم” على قناة سي بي إس، حيث تحدث ويتكوف، بحضور كوشنر، عن الدبلوماسية الجارية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ردًا على أسئلة حول الزخم الدبلوماسي بعد وقف إطلاق النار في غزة، أعلن ويتكوف: “نحن نعمل على الجزائر والمغرب حاليًا، فريقنا. وسيكون هناك اتفاق سلام، في رأيي، خلال 60 يومًا.” تم بث هذا البيان في 19 أكتوبر وتم تفصيله في أجزاء لاحقة، مما يمثل الالتزام العام الأول للولايات المتحدة بحل سريع لهذا النزاع.
يستمد تفاؤل ويتكوف من الالتزامات الأولية، بما في ذلك الدعوة الأمريكية الأخيرة في الأمم المتحدة. قبل أيام قليلة، وزعت الولايات المتحدة مسودة قرار في مجلس الأمن تصف خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء المغربية بأنها “الحل الوحيد الواقعي والقابل للتنفيذ”، وهو خطوة أبطلت مطالب الجبهة المدعومة من الجزائر وتلقت دعمًا من الصين كعضو دائم في المجلس. هذا الأساس الدبلوماسي، إلى جانب إشارات من مستشار الولايات المتحدة لشؤون إفريقيا مسعد بولوس بأن الجزائر تسعى لتحسين العلاقات، يعزز ثقة المبعوث. أما كوشنر، الذي كان أقل حديثًا في المقطع، فقد أومأ بالموافقة، مشددًا على نمط عملهما المشترك: يتعامل ويتكوف مع المكالمات والاجتماعات رفيعة المستوى، بينما يصيغ كوشنر المقترحات ويحشد شبكات المستثمرين.
يبلغ الإطار الزمني البالغ 60 يومًا – الذي ينتهي حوالي منتصف ديسمبر 2025 – يعكس نفاد صبر ترامب تجاه الإنجازات السريعة، مشابهًا لاتفاقيات إبراهيم في ولايته الأولى التي طبعت العلاقات بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، بما في ذلك المغرب، في أقل من عام. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن الجداول الزمنية في الدبلوماسية الإقليمية غالبًا ما تتأخر؛ إذ أشارت تحليلات حديثة إلى أن الاتفاقيات في شمال إفريقيا تتطلب عادةً 18-24 شهرًا بسبب حساسيات السيادة.
ملفات اللاعبين الرئيسيين: ويتكوف وكوشنر
في طليعة هذا الجهد يقف ستيف ويتكوف، رجل أعمال عقاري نيويوركي يبلغ من العمر 68 عامًا، تم تعيينه مبعوثًا للشرق الأوسط في نوفمبر 2024، مما أثار تساؤلات. بدون خبرة دبلوماسية رسمية سابقة، تكمن قيمة ويتكوف في “الخط المباشر” مع ترامب – صداقة دامت عقودًا نشأت في صفقات العقارات – وفكره المعاملاتي. منذ توليه المنصب، توسط في وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحماس، أطلق سراح جميع الرهائن الأحياء، وبدأ المرحلة الأولى من خطة إعادة إعمار غزة المكونة من 20 نقطة. في المقابلة على سي بي إس، وصف جهود السلام بأنها “معدية”، تمتد من محادثات أوكرانيا-روسيا إلى مبادرات إيران، حيث يتصل قادة طهران به مباشرة.
يكمل ويتكوف جاريد كوشنر، البالغ 44 عامًا، الذي يعود إلى الساحة بشكل غير رسمي لكنه مؤثر. كصهر ترامب ومستشار أول سابق، قاد كوشنر اتفاقيات إبراهيم، محصلًا مشاركة المغرب من خلال حوافز اقتصادية مثل الاعتراف الأمريكي بمطالباته في الصحراء. بعد مغادرة البيت الأبيض، أسس شركة “أفينيتي بارتنرز” للاستثمار بقيمة 3 مليارات دولار مدعومة من صناديق الثروة السيادية السعودية والإماراتية، مما يمنحه وصولًا لا مثيل له إلى الخليج. يصف مسؤولون أمريكيون ديناميكيتهما بأنها تكاملية: “يجري ويتكوف المكالمات؛ يصيغ كوشنر الخطط”، وفقًا لتقارير حول إنجازهما في غزة. معًا، زارا القاهرة وتل أبيب، ويتنقلان الآن عبر قنوات الرباط-الجزائر، مع منح ترامب لهما “السلطة الكاملة” في توجيهات حديثة.
يثير وضعهما كـ”رجال صفقات عقارية”، كما يصف كوشنر نفسه، انتقادات لتجاوز الدبلوماسيين المهنيين، لكنه يحظى بإشادة للنتائج. ينسب تحليلات حديثة نجاح صفقة غزة السريعة إلى فلسفتهما “الوصول إلى نعم أولًا، التفاصيل لاحقًا”، مع الإشارة إلى مخاطر تبسيط الشكاوى المعقدة.
السياق التاريخي: خصومة متجذرة في الإرث الاستعماري
تعود خصومة المغرب والجزائر إلى حرب الرمال عام 1963 حول الأراضي الحدودية، وتفاقمت بسبب قضية الصحراء المغربية غير المحسومة منذ انسحاب إسبانيا عام 1975. ضم المغرب المنطقة الغنية بالفوسفات، مما دفع الجزائر إلى استضافة مقاتلي جبهة البوليساريو وقطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021 بعد تطبيع المغرب مع إسرائيل. انخفض التجارة، الذي كان يبلغ 5 مليارات دولار سنويًا قبل 2021، بشكل كبير، مما كلف الاقتصادين وسط تحولات الطاقة العالمية.
تفضل الولايات المتحدة تاريخيًا المغرب كحليف غير عضو في الناتو يتلقى مليار دولار سنويًا من المساعدات، بينما تحافظ على علاقات أكثر برودة مع الجزائر بسبب ميولها الروسية. ميل إدارة ترامب الأولى نحو الرباط عبر اتفاقيات إبراهيم، لكن حياد بايدن أبطأ الزخم. التصعيدات الأخيرة – أسلحة جزائرية للبوليساريو وضربات مغربية بطائرات مسيرة – رفعت المخاطر، مع تقارير الأمم المتحدة تقدر 173 ألف لاجئ صحراوي في مخيمات جزائرية.
ردود فعل الأطراف المعنية والتحديات
تتنوع الردود الأولية. أشادت وسائل الإعلام المغربية بالإعلان كـ”انتصار لرؤية الرباط”، مع إشادة وزير الخارجية ناصر بوريطة بـ”الحياد الأمريكي”. أما وسائل الإعلام الجزائرية، فلم تظهر ردود فعل فورية واضحة في المصادر المتاحة، مما قد يعكس الحذر أو الانتظار لتطورات رسمية، على الرغم من إشارات سابقة إلى اهتمام بتحسين العلاقات. على منصة إكس (تويتر سابقًا)، ترددت منشورات باللغة العربية الإعلان، مع مستخدمين مثل @Pirana_dusahara يعيدون نشر اقتباس ويتكوف إلى جانب مقاطع نجاح غزة.
التداعيات: الاستقرار الإقليمي واستراتيجية الولايات المتحدة
قد يفتح النجاح كتلة تجارية شمال إفريقية بقيمة 100 مليار دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، مما يقلل من ضغوط الهجرة على أوروبا ويواجه النفوذ الروسي. يتناسب ذلك مع نموذج ترامب “السلام من خلال الازدهار”، الذي يمزج المساعدات بالاستثمار الخاص – حيث يستهدف صندوق كوشنر الطاقة المتجددة في الصحراء. أما الفشل، فقد يشجع الخصوم، مما يضعف مصداقية الولايات المتحدة بعد غزة.
على نطاق أوسع، يشير ذلك إلى فعالية فريق مبعوثي ترامب: من “معدل نجاح 100%” في غزة (كلمات كوشنر) إلى محاولات أوكرانيا، يجسد ويتكوف-كوشنر إحياء السياسة الواقعية. مع ذلك، يتنقل الإعلان عبر حقل ألغام من التاريخ والجيوسياسة. سيتابع مراقبو الدبلوماسية جلسات الأمم المتحدة والزيارات المكوكية بحثًا عن علامات على الذوبان، لكن سجل المبعوثين يشير إلى أن التقليل من شأنهم يأتي على مسؤولية الشخص نفسه.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر