في لحظات نادرة من تاريخ الأمم، تلتقي الإرادة الملكية مع نبض الشارع لتُحدث تحولًا حقيقيًا في الوعي الجماعي. والمغرب يشهد اليوم واحدة من هذه اللحظات الحاسمة.
بعد الخطاب الملكي الأخير وما تبعه من قرارات حاسمة اتخذها المجلس الوزاري برفع ميزانيتي الصحة والتعليم، وجد جيل الشباب المعروف بـ”جيل Z” نفسه أمام مفترق طرق جديد: بين التطلعات المثالية والواقع الوطني، بين النقد والاعتزاز، وبين رغبة التغيير وتردد الالتزام به عمليًا.
القرار الملكي بزيادة الإنفاق على قطاعي الصحة والتعليم ليس مجرد تدبير مالي، بل يمثل تحولًا في فلسفة الدولة ذاتها. يعكس هذا القرار رؤية ملكية ثابتة تُركز على جعل الإنسان، وخاصة الشباب، محور السياسات العمومية وركيزة التنمية الوطنية.
بالنسبة لجيل Z، الذي شعر طويلاً بالتهميش وغياب الأفق، يحمل هذا القرار رسالة أمل واضحة: الدولة تستثمر فيكم وتعيد الاعتبار للخدمات العمومية التي تكفل الكرامة والمساواة.
ومع ذلك، لم يكن رد فعل هذا الجيل متجانسًا؛ فبينما رأى البعض في هذه الخطوة دليلاً على جدية الدولة في بناء مغرب جديد، بقي آخرون متخوفين، يخشون تحوّل الوعود إلى شعارات ظرفية.
هو جيل وُلد في عصر العولمة الرقمية، يتواصل أكثر مما يناقش، ويعرف أكثر مما يؤمن به. جيل يطالب بالشفافية والمحاسبة، لكنه ينأى بنفسه عن السياسة ومؤسساتها. يسعى إلى التغيير السريع، لكنه يتردد في الانخراط فيه.
إنها معضلة جيل يعيش في زمن السرعة واللايقين: وطني في قلبه، لكنه ناقد في تعبيراته؛ متحمس على الشبكات الاجتماعية، لكنه متردد في الميدان. جيل يعبر عن وطنيته عبر الهاشتاغات، ويبحث عن هويته بين المثالية والواقعية.
ثم جاءت لحظة الفرح الكبرى: تتويج المنتخب الوطني لأقل من 20 سنة بلقب كأس العالم. هذا الإنجاز غير المسبوق زرع طاقة جماعية من الفخر والانتماء، خاصة بين الشباب. تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات احتفال وعناق رمزي بين أبناء الوطن الواحد.
لقد نجحت كرة القدم، في مناسبات كثيرة، فيما فشلت فيه السياسة: جمع الجميع حول علم واحد وأحلام مشتركة. رأى هذا الجيل في المنتخب مرآة تعكس قدراته الكامنة؛ فإذا كان المغرب قادرًا على تحقيق الانتصار عالميًا في الرياضة، فهو قادر على التميز في كافة المجالات.
لن تؤتي الإصلاحات الجارية ثمارها إلا إذا انخرط الشباب فيها بوعي ومسؤولية. يُدعى جيل Z اليوم إلى الانتقال من دور المشاهد الناقد إلى اللاعب الملتزم، مترجمًا طموحاته إلى مبادرات ومشاريع ملموسة.
لن يُبنى المغرب الجديد بدون شبابه، ولن يتقدم إذا بقي هؤلاء على هامش القرار والعمل العام.
بين رؤية ملكية بعيدة المدى، وإصلاحات اجتماعية ملموسة، وانتصارات رياضية ملهمة، يجد جيل Z نفسه أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل علاقته بوطنه. قد تبدو تناقضاته عيبًا، لكنها في جوهرها مرحلة نضج وانتقال نحو وعي وطني جديد. المغرب اليوم لا يبحث عن جيل يصفق أو يعارض فقط، بل عن جيل يبني، يشارك، ويؤمن بأن المستقبل ملكه.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر