في تشخيص صريح ومقلق للوضع الصحي العمومي بالمغرب، يؤكد الطبيب والباحث في سياسات وأنظمة الصحة الدكتور الطيب حمدي أن «الواقع على الأرض يناقض تماماً الخطابات الرسمية»، محذراً من أن الاحتجاجات الحالية حول قطاع الصحة قد تمتد إلى باقي الخدمات العمومية إذا لم تُعالج الأسباب الجذرية.
وفي تصريح خاص لـ«H24Info»، كشف الدكتور حمدي أرقاماً دامغة:
- حوالي 60% من نفقات الصحة تتحملها الأسر مباشرة (45% من جيوبها و15% عبر التأمينات)، أي أن ثلاثة أرباع التكاليف تقع على عاتق المواطنين.
- حتى المنخرطون في التأمين الإجباري عن المرض (AMO) يدفعون أكثر من 50% من مصاريف علاجهم من جيوبهم فوق اشتراكاتهم.
- الطبقة المتوسطة هجرت المستشفى العمومي كما هجرت المدرسة العمومية سابقاً، لكن ارتفاع الأسعار جعل القطاع الخاص بدوره غير متاح، مما أعاد المواطنين إلى مطالبة الدولة بخدمة عمومية كريمة ومجانية أو شبه مجانية.
«المشكل متراكم منذ أكثر من 50 سنة»
أكد المتحدث أن الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هيكلية وتراكمية منذ عقود، وأن صاحب الجلالة الملك محمد السادس كان قد دعا منذ 2018 – أي قبل جائحة كورونا – إلى إصلاح جذري للمنظومة الصحية. ومع ذلك، يبقى الخلل كبيراً:
- المستشفى العمومي لا يتلقى سوى 10% من تعويضات التأمين الإجباري رغم أنه يتحمل العبء الأكبر.
- 30% من نفقات نظام «راميد» (الآن AMO-Tadamon) تذهب إلى القطاع الخاص، بينما المستفيدون معفون من التذكرة في العمومي، مما يكلفهم 10 إلى 20% إضافية في العيادات الخاصة.
- عجز حاد في الموارد البشرية: أقل من 30.000 طبيب في المغرب، 14.000 منهم يعملون بالخارج، ونحتاج إلى 34.000 طبيب إضافي على الأقل للوصول إلى الحد الأدنى الذي تحدده منظمة الصحة العالمية.
الحلول المقترحة: إصلاح هيكلي وليس مجرد حقن مالية
يرى الدكتور حمدي أن زيادة الميزانية أو عدد الأطباء وحدها لن تكفي، بل يلزم إصلاح شامل يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
- الموارد البشرية: رواتب محفزة، تكوين مكثف، ظروف عمل كريمة لوقف الهجرة والاستقالة الجماعية.
- الحكامة: إدارة فعالة للموارد الموجودة. «كيف يعقل أن ينتظر المريض سنة كاملة لرؤية طبيب بينما الأطباء متوفرون؟ حكامة جيدة كفيلة بتحسين الوضع فوراً».
- المسؤولية والتناوب: تعيين مسؤولين جدد بمنطق اختيار الكفاءة والمساءلة، لا استمرار نفس الوجوه منذ 50 سنة، لأن استمرارها يقتل الأمل في أي إصلاح حقيقي.
رسالة إلى صناع القرار
«الاحتجاجات رسالة واضحة من المجتمع: الواقع لا يتطابق مع الخطابات. لقد وعى المغاربة بأن الخدمة العمومية حق دستوري يجب الدفاع عنه»، يختم الدكتور حمدي، داعياً إلى إصلاح جذري وشجاع يعيد الثقة ويحفظ كرامة المواطن قبل فوات الأوان.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر