يُعتبر داء الحصبة مرضًا فيروسيًا قديمًا ومن أكثر الأمراض المعدية انتشارًا وخطورة، خاصة في المجتمعات التي تعاني من نقص في التطعيم أو سوء التغذية. لا يقتصر هذا المرض على الأطفال فقط، بل يمكن أن يصيب كل الفئات العمرية في حال عدم تلقي التطعيم أو عدم الإصابة السابقة بالمرض. ينتقل الفيروس بسهولة بين الأشخاص عن طريق ملامسة إفرازات الأنف أو الحلق، أو استنشاق الهواء الذي يحتوي على رذاذ شخص مصاب عبر السعال أو العطس.
بمجرد دخول الفيروس إلى الجسم، يبدأ بالتكاثر في الخلايا الظهارية المبطنة للجهاز التنفسي العلوي، ثم ينتقل إلى العقد اللمفاوية ومنها إلى الدورة الدموية ليصيب الجهاز الهضمي في مرحلة متقدمة. يؤثر الفيروس على الجهاز الهضمي عبر دخوله إلى الخلايا المعوية وارتباطه بمستقبلات محددة على الخلايا الظهارية، ما يسبب تدميرًا مباشرًا للخلايا المبطنة للأمعاء وفقدان طبقة الحماية التي تمنع اختراق الجراثيم والسموم. يؤدي هذا إلى تسرب الجزيئات الضارة إلى مجرى الدم، بالإضافة إلى التحفيز الالتهابي الناجم عن إفراز السيتوكينات التي تغيّر وظيفة الخلايا وتؤثر على حركة الأمعاء، مع تلف الحاجز المخاطي المغطي للأمعاء.
يصيب فيروس الحصبة بطانة المعدة بالتهابات تصبح أكثر خطورة عند ترافقها مع العدوى البكتيرية مثل البوابية الملتوية. يؤدي إلى تلف الزغابات المعوية مما يسبب نقصًا في امتصاص الدهون، السكريات، والبروتينات، إضافة إلى خلل في إعادة امتصاص الماء. كما يؤثر على الكبد مسبّبًا التهابًا وزيادة في مستويات إنزيماته، وضعفًا في إنتاج البروتينات مثل الألبومين. كذلك يسبب التهابًا حادًا في البنكرياس يؤدي إلى اضطراب في مستوى السكر ونقص إفراز الإنزيمات المسؤولة عن هضم الكربوهيدرات والبروتينات.
يضعف فيروس الحصبة المناعة المعوية، حيث يؤدي ضعف العقد اللمفاوية إلى انخفاض إنتاج الأجسام المضادة وزيادة قابلية الأمعاء للعدوى. كما ينخفض مستوى البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يؤدي إلى صعوبة الهضم وزيادة احتمالية الإصابة بعدوى ثانوية. يؤثر المرض أيضًا على العمليات الهضمية عبر نقص إفراز العصارة الصفراوية مما يؤدي إلى عسر في هضم الدهون وظهورها غير مهضومة في البراز.
تؤثر الحصبة بشكل مباشر على امتصاص الفيتامينات والمعادن، حيث يؤدي نقص فيتامين “أ” إلى ضعف المناعة وزيادة خطر القرح المعوية، ونقص فيتامين “د” يؤثر على صحة العظام والمناعة. أما نقص المعادن مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم فيؤدي إلى فقر الدم، ضعف التئام الأنسجة، وزيادة التهاب الأمعاء. كما يتسبب تسرب البروتينات عبر جدار الأمعاء في تورم الجسم وضعف العضلات، مع نقص الإلكتروليتات والجفاف.
تشمل الأعراض الهضمية للحصبة الإسهال الحاد الذي يؤدي إلى فقدان السوائل والأملاح مما يزيد من خطر الجفاف، الغثيان والقيء الناتج عن التهاب بطانة المعدة، وآلام البطن الناجمة عن التهاب الأغشية المخاطية وتقلصات الأمعاء. تتضمن مضاعفات الحصبة الجفاف الشديد، سوء التغذية الحاد، العدوى الثانوية، التهاب القولون التقرحي، انسداد الأمعاء، واضطرابات دائمة في الهضم مثل متلازمة سوء الامتصاص.
يرتكز علاج الحصبة على السيطرة على الأعراض عبر تعويض السوائل بالمحاليل الفموية والوريدية، خافضات الحرارة، أدوية مضادة للقيء، وعلاج العدوى الثانوية بالمضادات الحيوية أو الأدوية المضادة للطفيليات. كما يتم تحسين التغذية بمكملات غذائية غنية بالسعرات والبروتينات، وعلاج المضاعفات مثل الجفاف وسوء الامتصاص.
تبقى الوقاية من الحصبة هي الحل الأمثل، من خلال التلقيح وفق البرنامج الوطني للتمنيع الذي يوصي بجرعات محددة للأطفال. بفضل اللقاحات الآمنة والمتاحة مجانًا، يمكن تفادي مآسي المرض وآثاره الخطيرة.
الدكتورة نجاة خليل
إختصاصية في أمراض الجهاز الهضمي والكبد
مستشفى محمد الخامس بصفرو
المصدر : فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر