حوار مع الشاعر المصري فيصل سليم ــ د. فاطمة الديبي / ذ.نصر سيوب “جَفتْ عُروقُ الوَرقِ فِي شَجرةِ السَّنطِ الشَّاحِبةِ”

أجرى الحوار: د. فاطمة الديبي / ذ.نصر سيوب


ــ مَــــنْ أكــــــون :

ولدت في قرية صغيرة تابعة لمحافظة قنا…أقصى جنوب مصر( في صعيد مصر) في أسرة تعمل بالزراعة، وعشقت العلم منذ نعومة أظافري… كنت أبحث دائما عن المعرفة. بعد انتهاء دراستي الابتدائية والاعدادية التحقت بمدرسة المعلمين وعملت في مجال التدريس وفي مجال اللغة العربية والتي عشقتها من كل قلبي، واصلت الدراسة والتحقت بكلية الآداب وحصلت على درجة الليسانس قسم اللغة العربية، ثم واصلت الدراسة وحصلت على درجة الليسانس في التربية قسم اللغة العربية، وأخيرا دبلوم الدراسات العليا في الدراسات الإسلامية، بالإضافة إلى دبلوم من معهد الخطوط العربية. استغرقت هذه الدراسات المتواصلة نحو ربع قرن من الزمان.

في مجال العمل عشقت اللغة العربية، وبخاصة النحو العربي، وقرأت الكثير من المتون، وتأثرت كثيرا بمتن الأجرومية لابن أجروم، وألفية ابن مالك وشروحاتها، والمفصل للزمخشري، والنحو الوافي لعباس حسن. وكان انضمامي لجبهة حماة اللغة العربية نقطة تحول، لأن هذه الجبهة تعني باللغة ومشاكلها ووضع الحلول المناسبة للنهوض بها. أما وظيفتي الحكومية فهي موجه أول صحافة وإعلام بوزارة التربية والتعليم.

أكتب في الكثير من الصحف والمجلات المصرية من باب الهواية وليس من باب الاحتراف، ولي الكثير من القصائد في الصحف، ولي ثلاثة دواويين مطبوعة.

الديوان الأول “خلف قلاع الصمت”، والديوان الثاني “عويل كربلاء”، والديوان الثالث “آخر وصايا لقمان”. والدواوين الثلاثة شعر فصحى، وتم عرضها في معرض القاهرة الدولي للكتاب. ولي كتاب تحت عنوان “الموسوعة الثقافية” يحتوي على أكثر من خمسة آلاف سؤال في مختلف أنواع المعارف.

أنا محب للريف المصري إلى درجة العشق، خاصة عندنا في صعيد مصر. وأنا لست ناقما على التطور لكن أفضل الهدوء، والمحافظة على القديم، ومجتمع الصعيد محافظ على العادات والتقاليد والقيم. والتحضر قد يأتي بأشياء كنا نعدها في الماضي نقائص، لكنها سنة من سنن الحياة. وأنا من المعجبين والمحبين لليمن وللشعب اليمني وبما يملكه من زخم وإرث حضاري، ولأنه قريب من عادات وتقاليد الصعيد.

ــ صعوبات التعليم:

من الصعوبات التي تواجهنا في مجال التعليم؛ كراهية الطلاب لمادة النحو العربي، وعدم إتقان التحدث بالفصحى، بالإضافة إلى منهج التدريس في المدارس وعدم تطوره ليناسب العصر. أضف إلى ذلك رداءة الخط في الكتابة. وتألمت كثيرا عندما قابلت في زيارتي الأخيرة للقاهرة طلابا يدرسون في الأزهر من دول جنوب شرق آسيا وهم يتحدثون الفصحى كالماء الزلال.

ــ حلمي وجذور تنشئتي الأدبية :

كنت أحلم أن أكون شاعرا، وقرأت لكثير من الشعراء في العصر الجاهلي، والعصر العباسي، وصولا للعصر الحديث، وتأثرت كثيرا بشعر نزار قباني، ومحمود درويش، وبدر شاكر السياب، والبردوني، ونازك الملائكة، وفاروق جويدة…

وفي حياتي الدراسية كنت أحب اللغة العربية، وقرأت الكثير من النصوص الشعرية كما ذكرت، وقواعد الإملاء، والنحو العربي، والصرف، فضلا عن حياة الصعيد القاسية، والبيئة الصعيدية خالية تماما من مظاهر البهرجة والترفيه.. فالصعيدي يولد رجلا يعتمد على نفسه في مختلف مناحي الحياة.

في قريتي الكثير ممن يكتبون الشعر، وكان في القرية خاصة في الليالي الصيفية والتي يتم فيها جمع المحاصيل كالقطن، والقمح، وقصب السكر، تجد الفلاحين يرتجلون المواويل والغناء الصعيدي.. والشيء الغريب أن تجد ممن لا يجيدون القراءة والكتابة يحفظون قصائد أم كلثوم عن ظهر قلب.

ففي فصل الصيف تكون درجة الحرارة في الصعيد حارقة، هذه الحرارة المهلكة هي التي جعلت الإنسان الصعيدي يتحمل كل شيء، وقد تأثرت كثيرا في كتابتي الشعرية بالصعيد، فضلا عن مسحة الحزن التي تغلف الكثير من أشعاري.. وسأعرض قصيدة عن جو الصعيد وبيئته :

“أرْصِفةٌ لِبيع الزُّهورِ”

فِي سِنِّ العَاشِرةِ

الرَّبيعُ..

لا يأتي عِندنا!!

يَنزوي..

تَحْتَ شجَرةِ اللّبخِ العَتيقةِ

وقيلولةِ السُكونِ

تسامِرُ أنغامَ الطَنابيرِ

تتناثرُ حِكاياتُ الغَريبِ

فتشيب عراجين النخيل

أرْصِفةٌ لبيعِ الزُّهورِ….

قرونُ التَّيسِ

النَّواعيرُ

العَنادِلُ

وعَمَائِمُ المَجاذيبِ

أمطارٌ بلا ماءْ

ترضع آهاتي الحبلى

عُكازي الهَرِمْ..

يتلوى كثعبان ضرير

يَعْبثُ..

بِسَنواتِ العُمْرِ العِجافِئ

مُنذُ ألفِ سَنة…

لمْ يُداعِبْ الرِّيحُ

بيادرَ قريتي!!!

ولم ينكشف البُر

مَاتتْ هَداهِدُ الحُقولِ!!!

في زحمة الكون الصريع

كانت البيئة الصعيدية ومازالت بيئة قاسية لأحبابها.. الكثير من شباب الصعيد مهاجرون في أصقاع الأرض بحثا عن لقمة العيش، والحياة الكريمة، ومن ثم انعكس هذا على الشعر الصعيدي :

“الحزن مجاناً”

جَفتْ عُروقُ الوَرقِ

فِي شَجرةِ السَّنطِ الشَّاحِبةِ

لماذا

تلبسينَ ثِيابَ الحِدادِ ؟

قالتْ…..

وَهِي تُرثي مَواسِمَ الجَني

يا بلدَ الحُبِّ

والأفراحِ

والأحْزانِ

لِماذا يَخْرجُ مِنْ جَوفِك

الشوكُ المُسَنن بِالجِراحِ

الصَّمغُ

يُلاحِقُ الفَراشاتِ الثكلى

وَوجْهُها الدَّامِي المُمزقْ

مِنْ عَذاباتِ السِّنين

أليسَ المَوتُ منْ الأشياءِ العَادية

تماماً

مِثلَ حَفلات الزَّار

وَحَفلاتِ المَجاذِيبِ

وَهُو كالميلادِ

والحُبِّ

والزواجِ

والسِقم

والشيخوخة

وأشياءٌ أخرى

يتبع..

عن موقع: فاس نيوز ميديا