في قلب الجزائر، الوطن الغني بتاريخه وثرواته الطبيعية، يتردد صدى صرخة مكبوتة: النزيف الديموغرافي الذي يهدد مستقبل الأمة. ليس نزيفاً من دماء الشهداء فحسب، بل نزيف أجيال بأكملها تهاجر بحثاً عن حياة كريمة، هرباً من جحيم الفقر والفساد الذي يسود.
عائلات بأكملها تترك أرض الآباء، تحمل معها أحلاماً مكسورة، بينما تبقى العصابة الحاكمة تبذر أموال الشعب في شراء شرعية واهية. وفي ظل صمت إعلامي يشبه التواطؤ، يستمر هذا النزيف، مخلفاً وراءه مجتمعاً يعاني من الشيخوخة المبكرة والفراغ الاجتماعي. إنها ليست مجرد أزمة هجرة، بل كارثة وطنية تستدعي يقظة جماعية لاستعادة الأمل.
تكشف الإحصائيات عن حجم الكارثة بوضوح مذهل. في عام 2024، بلغ صافي الهجرة من الجزائر سالباً قدره 31,240 شخصاً، ما يعني خسارة أكثر من 30 ألف مواطن يغادرون البلاد بحثاً عن فرص أفضل.  هذه الأرقام ليست مجرد أرقام باردة؛ إنها تعكس واقعاً مريراً حيث يغامر الشباب بحياتهم عبر البحر المتوسط، محاولين الوصول إلى سواحل إسبانيا أو إيطاليا. خلال عام 2024 وحده، وصل 5,793 مهاجراً جزائرياً إلى جزر البليار الإسبانية، بزيادة تصل إلى 154.3% مقارنة بالعام السابق.  ومع ذلك، لم يكن الجميع محظوظين؛ فقد سجلت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وفيات مئات المهاجرين في المتوسط، بما في ذلك أطفال ونساء، في محاولات فاشلة للهروب من الجحيم المحلي.  هذه الهجرة الجماعية ليست فردية؛ إنها تشمل عائلات بأكملها، حيث يبلغ عدد المهاجرين من المنطقة العربية 37.2 مليون شخص، منهم 18.1 مليون هاجروا إلى بلدان عربية أخرى في 2024.
 إنها ليست مجرد رحيل، بل سرقة لمستقبل الوطن، حيث يفقد الجزائر عقولاً شابة كان يمكنها أن تبني اقتصاداً مزدهراً.
ما الذي يدفع هذه العائلات إلى المخاطرة بحياتها؟ الجواب يكمن في جذور الفساد الذي ينخر في جسد الدولة. يعاني الشباب الجزائري من بطالة تفوق 35%، وفقاً لتقارير منظمات حقوقية، مع احتكار الثروة في يد فئة لا تتجاوز 10% من السكان.  العصابة الحاكمة، كما يصفها الرأي العام، تبذر أموال الشعب في مشاريع وهمية أو لشراء الولاءات، بينما يعاني المواطنون من تدهور الاقتصاد وارتفاع التضخم. في تقرير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، يُشار إلى فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية، مما يدفع الشباب إلى “الحراقة” – الهجرة غير الشرعية – كوسيلة أخيرة للنجاة.  الفساد ليس مجرد تهمة؛ إنه واقع يعيشه الجزائريون يومياً، حيث يُصنف البلد في مؤشرات الفساد العالمية بمراتب متدنية، مما يعيق التنمية ويفاقم اليأس.
 وفي ظل عدم الرضا عن الحكومة، يصبح الهروب خياراً لا مفر منه، خاصة مع انتشار الإرهاب والصراعات الإقليمية التي تزيد من الضغوط الأمنية. 
أما صمت الإعلام، فهو جزء من المشكلة. يُتهم الإعلام الجزائري بالتضليل أو الصمت عن الظاهرة، مما يعزز الشعور بالعزلة بين الشباب.  دراسات تحليلية لصحف مثل “الشروق” تكشف أن المعالجة الإعلامية للهجرة السرية تركز على الجانب الأمني، دون الخوض في الأسباب الجذرية مثل الفساد.  هذا الصمت يشبه “الإعلام الاستحماري” الذي يتجاهل معاناة الشعب، مما يدفع المزيد إلى الهروب دون وعي كامل بالمخاطر.
مع ذلك، يبقى الأمل موجوداً. يجب على الحكومة أن تواجه الفساد بحزم، وتوفر فرص عمل حقيقية للشباب، وتعزز التنمية في المناطق المهمشة. أما الشعب، فيجب أن يتحد للمطالبة بحقوقه، مستلهماً من تاريخ الجزائر في النضال. فالوطن ليس مجرد أرض؛ إنه أمان وكرامة. إذا استيقظنا اليوم، يمكننا إيقاف النزيف وإعادة بناء جزائر تستحق أبناءها. الوقت لم يفت بعد؛ حان الوقت للعمل، قبل أن يصبح الجحيم مصيراً لا رجعة عنه.
عن موقع: فاس نيوز
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر