الزمن الجميل في المخيال المغربي: ديناميات التمثل ومقاومة التحول (الجزء الأول)

في المجتمع المغربي، كما في مجتمعات عديدة تمر بتحولات سريعة وعميقة، يبرز خطاب الزمن الجميل كمظهر تعبيري يعكس الحنين إلى ماضٍ يبدو في المخيال الجماعي أكثر انسجاما واستقرارا وامتلاء بالقيم. يستدعى هذا الماضي ليس فقط من خلال الذاكرة، ولكن أيضا كأداة رمزية لمساءلة الحاضر، بل وأحيانا لرفضه صراحة. فهل نحن أمام حنين بريء، أم أمام بناء اجتماعي يعكس تصدعات الحاضر ويقترح زمنا متخيّلا بديلا؟ لفهم تمثل المغاربة لما يسمى بـالزمن الجميل، لا بد من استحضار مجموعة من المفاهيم النظرية التي تشكل مدخلا سوسيولوجيا لتفكيك هذا الحنين الجماعي، والذي لا يعبر عن مجرد استذكار عاطفي للماضي، بقدر ما يعكس عمليات اجتماعية معقدة يعاد من خلالها بناء الذاكرة وصياغة المعنى.

أول هذه المفاهيم هو الذاكرة الجمعية كما بلورها موريس هالبواكس (Halbwachs, 1992)، الذي أكد أن الذاكرة لا تختزن بشكل فردي، بل تبنى داخل الجماعة وفق حاجاتها الرمزية. فالزمن الجميل، في هذا الإطار، ليس إعادة استحضار لماض واقعي، بل هو إعادة تشكيل انتقائية لذاكرة جماعية تخدم الحاضر وتوفر له سندا أخلاقيا ومعنويا.ثم يأتي مفهوم التمثل الاجتماعي كما نظر له سيرج موسكوفيتشي (Moscovici, 1961)، والذي يبرز كيف يتحول الماضي إلى صور ورموز ثقافية يعاد إنتاجها في الخطابات اليومية والوسائط الإعلامية، فتختزل مراحل تاريخية بأكملها في عبارات مثل: “كان الجار مثل الأخ”، أو “كان الاحترام أساس التربية”، وهي تمثلات تُضفي على الماضي طابعا مثاليا يفتقر إلى التعقيد الواقعي.ويكمل هذا البناء التحليلي مفهوم المخيال الاجتماعي كما طوره كورنيليوس كاستورياديس (Castoriadis, 1975)، والذي يرى أن المجتمعات لا تعيش فقط داخل المؤسسات، بل أيضا داخل أنساق رمزية تنتج المعنى وتشكل الواقع. فـالزمن الجميل ليس زمنا كرونولوجيا يحدد بتواريخ معينة (كستينيات أو سبعينيات القرن العشرين)، بل هو زمن أخلاقي متخيل، تقدم فيه الحياة كعالم من الصفاء القيمي، والبساطة، والتوازن المجتمعي.

في هذا السياق، لا يستدعى الماضي باعتباره واقعا موضوعيا، بل باعتباره رد فعل رمزي على الحاضر، الذي ينظر إليه – وفق نفس الخطابات – كزمن تغريب، وتفكك قيمي، واضطراب في الهوية. ومن ثم، فإن الحنين إلى الزمن الجميل يفهم كسلوك جماعي دفاعي، يعبر عن حاجة إلى الاتساق في زمن يطغى عليه التسارع واللايقين والقطيعة مع المألوف.
من خلال تحليل محتويات المرويات الشفوية، والبرامج الإعلامية، والمحتوى الرقمي في منصات التواصل الاجتماعي، يتضح أن صورة الزمن الجميل في المخيال المغربي ليست نتاجا لتوثيق تاريخي دقيق بقدر ما هي بناء رمزي قائم على استدعاء انتقائي لقيم وعلاقات وسلوكيات تقدم على أنها كانت سائدة في ماضٍ مثالي. هذا البناء يقارن – ضمنيا أو صراحة – بين ماض يراه الخطاب الجمعي مفعما بالمعنى، وحاضر يصور كمأزوم أخلاقيا واجتماعيا وثقافيا.

لا يبنى هذا التمثل على الوقائع في حد ذاتها، بل على ما يمكن تسميته بـالمقارنة الرمزية، حيث يتم إسقاط مشاعر الحنين على صور منتقاة من الماضي، تضخَّم فضائله ويهمَّش ما كان يتخلله من عنف رمزي أو سلطوية أو تفاوت اجتماعي. هذه المقارنة، في جوهرها، وظيفية من الناحية السوسيولوجية، إذ تتيح للفرد أو الجماعة التعبير عن سخطها من الحاضر، والتعلق بصورة مثالية لماض كان يجب أن يبقى، وفق تصور معياري غير خاضع للتفكيك التاريخي.وهكذا، يغدو الزمن الجميل نوعا من اليوتوبيا الرجعية، لا تحيل إلى زمان بعينه، بل إلى نسق قيمي وأخلاقي يفترض أنه فُقِد مع التغيرات الاجتماعية، وهو ما يعكس قلقا جمعيا تجاه الحاضر، وخوفا مستترا من المستقبل.

. من يصنع الحنين؟ سوسيولوجيا الفاعلين في إنتاج الذاكرة الجماعية
لا يعد الحنين إلى الزمن الجميل مجرد استدعاء عفوي أو فردي لذاكرة غابرة، بل هو نتاج عملية اجتماعية معقدة تساهم فيها مجموعة من الفاعلين الثقافيين والمؤسساتيين والإعلاميين الذين يعيدون تشكيل الذاكرة الجماعية وفق تمثلات رمزية، يعاد من خلالها بناء الماضي كزمن فاضل، وتكرَّس صورته كمقابل قيمي للحاضر المتغير والمأزوم.
يشكل الإعلام بمختلف وسائطه أحد أبرز المحركات في صناعة الحنين الجماعي، من خلال إعادة بث الأغاني القديمة التي تثير مشاعر الانتماء والسكينة، وتربط بمرحلة البراءة المجتمعية، مع عرض الأفلام الكلاسيكية التي تقدم العلاقات الأسرية والاجتماعية كنموذج قيمي مثالي. أو برمجة وثائقيات تعيد تصوير المغرب القديم كفضاء آمن، منظم، ومتماسك أخلاقيا.أما الدراما التلفزيونية، فتعيد تشكيل الماضي بمنطق التقديس، فتضفي على العلاقات الاجتماعية طابعا مثاليا، وتشيطن الحداثة باعتبارها سببا في التدهور الأخلاقي والتفكك الأسري. وبهذا، يتحول العمل الدرامي إلى أداة تأطير ثقافي تعيد إنتاج الزمن الجميل كبديل عن حاضر غير مرغوب فيه.

تساهم الأجيال التي عايشت المراحل السابقة في نقل زمنها الجميل إلى الأجيال اللاحقة من خلال سرد الحكايات التي تُؤطر الماضي كفضاء للصدق والنقاء والتماسك، أو تداول الأمثال والنصائح القديمة التي تضفي على الماضي سلطة رمزية، أو إعمال المقارنة المستمرة بين جيل الأمس وجيل اليوم، بما يكرس الشعور بالحنين ويعزز أسطورة الانحدار القيمي.هذا الخطاب الشفوي يعيد إنتاج نسق معياري يقدم فيه الماضي كمصدر للحكمة والاستقامة، في مقابل حاضر يصور بوصفه زمن الانفلات واللاجدوى.

في العصر الرقمي، برزت منصات التواصل الاجتماعي كفضاء دينامي لتدوير الحنين وتوسيعه بصيغ شعبية جماعية. وتعد الصفحات الفيسبوكية والإنستغرامية التي تنشر صور المدن القديمة، من قبيل الرباط، فاس، الدار البيضاء، جزءا من هذا التمثيل. وغالبا ما ترفق الصور بتعليقات شعبية من قبيل: فين مشاو هدوك الناس؟” كنا رجال بلا فلوس، دابا ولّينا فلوس بلا رجال” هذه العبارات تختزل تجربة الحنين في بنية نقدية تُحمِّل الحاضر وزر الانحراف عن الماضي المثالي، وتضفي على الزمن الجميل طابعا خلاصيا، كأن العودة إليه هي الخلاص من أزمات اليوم. يندرج هذا الإنتاج الرمزي للزمن الماضي ضمن ما يسميه بيير نورا أماكن الذاكرة، وهي فضاءات رمزية – مادية ومعنوية – تختزن وتكثف الذاكرة الجماعية، مثل الصور القديمة، الأغاني التقليدية، اللباس الكلاسيكي، وصفات المطبخ المغربي القديم والحكايات الشعبية والأسواق التقليدية.

كل هذه العلامات تتحول إلى حوامل رمزية للحنين، تؤطر الذاكرة وتعيد إنتاجها بشكل انتقائي يخدم التمثلات الجمعية.ليس “الزمن الجميل” زمنا متذكرا ببراءة، بل هو زمن منتَج اجتماعيا، يعاد تشكيله عبر وسائط متعددة، ويتحول إلى سردية جماعية لها وظائف نفسية وثقافية وسياسية، من قبيل تعويض فقدان المعنى، نقد الواقع، وإعادة تشكيل الهوية في مواجهة التسارع الاجتماعي والتحولات الثقافية المتلاحقة.

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع