فاس نيوز – خاص
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، بدأت الخريطة الحزبية بمدينة فاس تكشف عن ظاهرة لافتة تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي التقليدي، بعدما أصبح عدد من الأسماء السياسية والانتخابية ينتقلون بين الأحزاب والألوان بسرعة لافتة، في مشهد يطرح سؤالاً أكبر حول موقع الانتماء الحزبي في السياسة المحلية، وهل ما زال الحزب بالنسبة لبعض المرشحين مشروعاً سياسياً ومؤسسة فكرية، أم تحول إلى مجرد «قبعة انتخابية» يتم تغييرها كلما تغيرت فرص الفوز؟
ولعل أبرز الأمثلة التي تكشف هذه الدينامية يأتي من إقليم بولمان، حيث انتقل محمد شوكي من الأصالة والمعاصرة إلى التجمع الوطني للأحرار، بعدما كان والده أحمد شوكي نائباً عن «البام» بالدائرة نفسها بين 2016 و2021، قبل أن يفوز محمد شوكي بمقعد بولمان سنة 2021 باسم الأحرار، ثم يتدرج داخل الحزب إلى رئاسة فريقه النيابي، وصولاً إلى قيادة التجمع الوطني للأحرار سنة 2026.
وفي الاتجاه الآخر، برز اسم خالد العجلي الذي كان مرتبطاً بالتجمع الوطني للأحرار قبل أن يظهر مرشحاً باسم الحركة الشعبية في فاس الجنوبية، بينما اختارت «السنبلة» في فاس الشمالية ريم شباط، وهي ابنة حميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال والعمدة الأسبق لفاس، بعد انتقال «فريق» شباط السياسي من جبهة القوى الديمقراطية إلى الحركة الشعبية.
وهكذا، لم يعد الناخب أمام خريطة حزبية ثابتة بالمعنى التقليدي؛ فالأسماء تتحرك، والتحالفات تتغير، والمرشح الذي يظهر اليوم بلون سياسي قد يكون خاض استحقاقاً سابقاً بلون آخر، فيما تستقطب الأحزاب بعضها بعضاً بحثاً عن الاسم القادر على جلب الأصوات قبل البحث عن المناضل القادر على الدفاع عن مشروع الحزب.
المفارقة أن الأحزاب نفسها تقدم هذه التحولات غالباً باعتبارها استقطاباً للكفاءات وتعزيزاً للعرض السياسي، وهو أمر مشروع في الحياة الحزبية، غير أن كثرة الانتقالات في فترة قصيرة تجعل السؤال مشروعاً أيضاً: هل أصبح الحزب هو الذي يمنح المرشح قيمته، أم أن المرشح هو الذي يمنح الحزب أصواته؟
وتزداد حدة هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالانتخابات التشريعية، حيث لا يتعلق الرهان فقط بمقعد داخل مجلس النواب، وإنما بالوصول إلى المؤسسة التشريعية ومواقع التأثير واللجان البرلمانية ومراكز صناعة القرار.
مسار محمد شوكي يقدم مثالاً واضحاً على حجم التحول الذي يمكن أن يصنعه الانتقال الحزبي؛ فقد بدأ تجربته السياسية داخل الأصالة والمعاصرة، ثم انتقل إلى الأحرار، قبل أن يصبح برلمانياً ورئيساً للفريق النيابي، ثم رئيساً للحزب. وهو مسار يوثق انتقالاً فعلياً من لون حزبي إلى آخر ثم إلى موقع متقدم جداً داخل المؤسسة السياسية.
وفي فاس، تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً مع اقتراب موعد الاقتراع، خصوصاً في دائرتي فاس الشمالية وفاس الجنوبية، حيث تتنافس أحزاب متعددة على أربعة مقاعد فقط في كل دائرة، ما يجعل قيمة المرشح الفردية وقدرته على تعبئة الأصوات عاملاً قد يتقدم أحياناً على الهوية الإيديولوجية للحزب.
ومن هنا بدأت تظهر في النقاش السياسي المحلي عبارة تختصر المشهد: «الحزب أصبح لوناً والمرشح هو العلامة التجارية».
فالناخب قد يجد أمامه مرشحاً يعرفه منذ سنوات، لكنه لا يجده بالضرورة في اللون الذي اعتاد أن يراه به، بينما يجد الحزب نفسه مستعداً لمنح التزكية لشخص قادم من تنظيم سياسي آخر إذا كان يعتقد أن لديه القدرة على الفوز.
وهذه الظاهرة ليست حكراً على حزب واحد أو تيار واحد؛ فالمعطيات المتداولة خلال الاستعدادات الحالية تكشف تحركات واستقطابات بين عدد من الأحزاب، فيما تتغير مواقع بعض الوجوه وفق حسابات الدوائر الانتخابية وفرص التزكية. كما أن الأحرار أعلن أن نسبة تجديد مرشحيه في استحقاقات 2026 تتجاوز 36 في المائة، وهو ما يعكس بدوره إعادة تشكيل جزء من خريطة الوجوه التي ستخوض الانتخابات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في فاس هو: ماذا بقي من «المناضل الحزبي» في زمن أصبح فيه الانتقال من حزب إلى آخر ممكناً، وأحياناً سريعاً، كلما اقترب موعد الانتخابات؟
هل نحن أمام تطور طبيعي للحياة الحزبية، حيث يحق للسياسي اختيار الإطار الذي ينسجم معه؟ أم أمام براغماتية انتخابية مفرطة تجعل المقعد البرلماني هو الهدف، فيما يصبح اللون الحزبي مجرد وسيلة للوصول إليه؟
وبين من يرى في هذه التحركات انفتاحاً حزبياً واستقطاباً للكفاءات، ومن يعتبرها دليلاً على ضعف الهوية الحزبية وتحول الانتخابات إلى سوق للمرشحين والأصوات، يبقى الحكم في النهاية للناخب.
لكن المؤكد أن انتخابات 2026 بفاس لا تقدم فقط معركة بين الأحرار والبام والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية وغيرها، وإنما تقدم أيضاً اختباراً حقيقياً لسؤال أكبر:
هل يصوت الفاسي للحزب وبرنامجه، أم يصوت للاسم الذي يعرفه مهما تغيرت القبعة واللون؟
وفي انتظار جواب صناديق الاقتراع، يبدو أن الـTGV السياسي بفاس لا يزال في محطة التزكيات، وقد تكون محطات أخرى قبل يوم الاقتراع.
المصدر : فاس نيوز ميديا
فاس نيوز – موقع الجهة الاخباري 24 ساعة موقع اخباري لجهة فاس مكناس منكم و اليكم ننقل الرأي و الرأي الآخر